تناطح صيني روسي أوروبي أميركي

نسخة للطباعة2021.05.05

يعد مفهوم الغموض الاستراتيجي إحدى أكثر الأدوات دقةً في قاموس المصطلحات الدبلوماسية. ففي الظروف المناسبة، يمكنه تحقيق أهداف السياسة الخارجية أكثر من الوضوح الاستراتيجي، ويمكنه حتى منع الحرب.

لكن في بعض الحالات الخاطئة، يمكن أن يأتي الغموض بنتائج عكسية ويتسبب في كارثة. والسؤال: ما السياق الذي ينطبق حالياً على المواجهات في أوكرانيا ومضيق تايوان؟

بطريقتهما الخاصة، كانت الصين في عهد الرئيس شي جينبينغ، وروسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، تُبقيان ببراعة خصومهما تحت السيطرة بغموض متعمَّد. 

وعلى النقيض من ذلك، بدا الغرب، من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، في الآونة الأخيرة غامضاً تلقائياً أكثر من كونه متعمِّداً، وهو ما يجب أن يتغير.

لنتأمل بوتين: فبعد أن غرس سيوفه مرة أخرى بالقرب من أوكرانيا، ها هو يسحب قواته من حدودها. ويبدو أن هدفه هذه المرة كان فقط تذكير كييف والغرب بأنه وحده يتحكم في وتيرة تصعيد الصراع وتخفيف التصعيد في المنطقة، من بيلاروسيا إلى جورجيا.

في خطابه الأخير، حذّر بوتين الغرب من تجاوز أي «خطوط حمراء»، وإلا سيعاني من شراسته «غير المتكافئة». والأكثر دلالة على ذلك أنه أضاف عبارة «نحن أنفسنا سنحدد» موضع تلك الخطوط الحمراء. هذا في حد ذاته غموض استراتيجي: قد نصدمك، لكننا لن نخبرك متى أو لماذا، ببساطة لأننا نريدك -كييف والغرب على حد سواء- أن تستمر في التخمين.

على النقيض من ذلك، من الواضح أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يتطلع إلى الوضوح الاستراتيجي، مثل تلك التأكيدات الراسخة التي سمعناها من الغرب بأنه سيدافع عن أوكرانيا. والأفضل من ذلك، حسبما ذكره، أنه يرغب في اتخاذ الخطوة التالية نحو عضوية «ناتو»، والتي ستكون الردع النهائي ضد روسيا.

لكن أي تحرك نحو عضوية «ناتو» سيكون بالضبط نفس ذلك الخط الأحمر الذي يتحدث عنه بوتين. في هذه الحالة، وبدلاً من الردع، سيثير الكارثة ذاتها التي تأمل الولايات المتحدة وأوروبا تجنبها: غزو واسع النطاق. وهذا من شأنه أن يجبر الغرب على أن يقرر ما إذا كان سيقاتل أم لا، وسيفقد الأرواح من أجل أوكرانيا، وقبل كل شيء ما إذا كان بإمكانه حتى الانتصار في تلك المعركة. لذا يظل حلف «ناتو» والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، غامضة استراتيجياً بشأن كيفية ردها على العداء الروسي.

لننظر الآن إلى مضيق تايوان الذي يمكن القول إنه النموذج الأصلي للغموض الاستراتيجي الناجح. على الورق، اعترفت الولايات المتحدة دائماً بصين واحدة فقط، لكن في عام 1979 حوّلت بروتوكولها الدبلوماسي من تايبيه إلى بكين، بينما قامت أيضاً بتمرير قانون العلاقات مع تايوان. فهي تقول ببراعة إن «أي جهد لتحديد مستقبل تايوان بطرق أخرى غير الوسائل السلمية» سيكون «مصدر قلق بالغ للولايات المتحدة».

يمكن القول إن هذا الغموض المتعمد حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستصد هجوماً على البر الرئيسي قد حافظ على السلام لمدة أربعة عقود، وأجبر الصينيين على الخوف من الحرب مع القوة الأميركية العظمى. وذكّرت تايبيه بأنه ليس لديها شيك على بياض لإعلان الاستقلال لأن الولايات المتحدة قد لا تُقْدم على مساعدتها.

يوضح المثالان متى يعمل الغموض الاستراتيجي بشكل أفضل: فهو عندما يجب أن ترسل نفس الرسالة إشارات مختلفة في نفس الوقت إلى طرفين أو أكثر. في هذه الأمثلة، يطلب الغرب، من موسكو وبكين عدم الهجوم، مع تذكير كييف وتايبيه بعدم الاستفزاز. والغرض من تلك المتاهة هو تجنب الحرب.

لكنّ هذا لن ينجح إلا إذا شعرت جميع الأطراف بأن الوقت في مصلحتها. الصين، على سبيل المثال، لطالما شعرت بأنه يتعيَّن عليها أن تصبح أقوى عسكرياً قبل أن تتحدى الولايات المتحدة، كما تأمل في إقناع التايوانيين بإعادة التوحيد طوعاً، مع تنامي التعاون الاقتصادي والوعود بالحكم الذاتي السياسي.

كلا الافتراضين قد تغير، فبكين تشعر بشكل متزايد بأنها قد تكسب حرباً محدودة ضد الولايات المتحدة، وتخشى أن يرى سكان الجزيرة أنفسهم على أنهم متميزون –أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن 83% من السكان وصفوا أنفسهم بالتايوانيين، لا الصينيين. ويدرك شي أيضاً أن خيانته للحكم الذاتي لهونغ كونغ قد أقنعت التايوانيين بأن إعادة التوحيد السلمي لن تكون في مصلحتهم أبداً.

هذا هو السبب في الدعوات المتزايدة في واشنطن إلى استبدال الغموض الاستراتيجي الأميركي في مضيق تايوان بالوضوح. ويجادل ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، بأنه على الولايات المتحدة أن تجعل استعدادها للدفاع عن تايوان واضحاً للإبقاء على ردع الصين ومنع الحرب. وقد يؤدي الإبقاء على الغموض بدلاً من ذلك إلى تخويف حلفاء أميركا الآخرين في المنطقة، ولا سيما اليابان وكوريا الجنوبية، للاعتناء بأمنهم من خلال بناء أسلحتهم النووية.

في أوروبا الشرقية، مثل هذا الأسلوب المنطقي أقل وضوحاً. كما أن حلفاء «ناتو»، مثل بولندا أو جمهوريات البلطيق، يولون اهتماماً لموقف الغرب في أوكرانيا ويشعرون بالمثل بالضعف تجاه روسيا. لكنهم لن يشرعوا في بناء أسلحتهم النووية أو البحث عن تحالفات بديلة. علاوة على ذلك، إذا كان الدفاع عن تايوان أمراً صعباً، فإن صد هجوم روسي على أوكرانيا سيكون أكثر صعوبة. ويبدو الغرب غير متأكد من قيمة دفاعه للحفاظ على الأرواح.

ما هو واضح هو أن الاختيار بين الغموض والوضوح محفوف بالمخاطر ومسألة تتعلق بأعلى درجات فن الحكم. فمن المقلق أن يبدو أن رئيساً أميركياً لا يقدّر مفهوم الغموض الاستراتيجي -في عام 2001 صرح جورج دبليو بوش صراحةً بأنه «سيفعل كل ما يتطلبه الأمر» للدفاع عن تايوان. وهو أمر مقلق بنفس القدر عندما يفشل الرئيس في فهم التطبيق المناسب للوضوح الاستراتيجي. في عام 2012 حذر باراك أوباما الديكتاتور السوري بشار الأسد من تجاوز «الخط الأحمر» لاستخدام الأسلحة الكيميائية، لكنه لم يفعل شيئاً عندما ارتكب الأسد تلك الفظائع في العام التالي.

في شرق آسيا، أصبحت الحجة الآن قوية للتحول من الغموض إلى الوضوح، لكنه لا يزال أضعف في أوروبا الشرقية. لكن أكثر ما يقلقني هو أن غموض الغرب في كلتا المنطقتين يبدو بشكل متزايد متقطعاً وليس استراتيجياً نتيجة التردد في اتخاذ القرار.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس"...

صحيفة "الشرق الأوسط"

العلامات: 
التصنيفات: 

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2021