4 أطراف رئيسية.. على من تعول أوكرانيا في أزمتها مع روسيا؟

نسخة للطباعة2021.04.19

صفوان جولاق - كييف

منذ بداية النزاع مع روسيا في 2014، تميزت علاقات أوكرانيا الخارجية بالتركيز على عدة أطراف دولية، ولعل المحور الرئيس لهذا التركيز كان دعم كييف في مواجهة "عدوانية موسكو".

لهذا ما يبرره بحسب أوليكسي هاران - رئيس مركز "المبادرات الديمقراطية" للدراسات، فـ"أوكرانيا وجدت نفسها ضعيفة في 2014، بعد انتهاك روسيا "وثيقة بودابست 1994"، وكان عليها أن تسارع الخطى لدعم بناء جيش قوي، ناهيك عن الدعم السياسي والاقتصادي لمواجهة العدوان".

وبحسب هاران أيضا، فإن هذا "الواجب الغربي"، كما يرى، يعود أصلا إلى وثيقة بودابست التي لم تنفذ الأطراف الموقعة عليها (بريطانيا العظمى وروسيا والولايات المتحدة) شرط ضمان وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا، مقابل تخلي الأخيرة عن الأسلحة النووية.

الولايات المتحدة

وسواء كان الأمر تعويلا من قبل كييف، أو واجبا من قبل تلك الأطراف أو الدول، تأتي على رأسها الولايات المتحدة، وهذا ما قد يفسر جانبا من الاهتمام الأمريكي بالملف الأوكراني منذ 2014.

على مدار 7 سنين، دعمت واشنطن أوكرانيا بنحو 2 مليار دولار، جاءت على مساعدات عسكرية وأمنية وغيرها، ولا زال الحديث يدور بينيا حول رغبة أوكرانيا بالحصول على "أسلحة أمريكية فتاكة" لمواجهة روسيا.

هذا الدعم يتعدى "الواجب" إلى "المصالح"، التي تلعب الدور الأكبر، بحسب إليا كوسا - خبير العلاقات الدولية في "المعهد الأوكراني للمستقبل"، الذي يرى أن واشنطن معنية أكثر من أي وقت مضى بكبح جماح سلطة بوتين، والحد من تنامي نفوذ وحضور موسكو إقليميا وأوروبيا وعالميا.

وفيما يخص الملف الأوكراني، يعتبر كوسا أن الولايات المتحدة ترى فيه زحفا نحو الغرب، وتهديدا لأمنها وأمن دول الناتو، وسعيا للاستحواذ على أوراق ضغط سياسية واقتصادية أكثر وأكبر في المنطقة، في إشارة -على سبيل المثال- إلى مشروع "نورد ستريم 2" لنقل الغاز مباشرة إلى أوروبا بعيدا عن أوكرانيا، الذي تعارضه واشنطن بشدة.

أما حول حدود هذا الدعم، فيرى الخبير أنه مرهون أولا بالإدارات الأمريكية، في إشارة إلى أن إدارة الرئيس السابق ترامب لم تكن مهتمة بالدرجة الحالية التي تبرزها إدارة بايدن.

وثانيا، يرتبط الأمر ببناء واشنطن تحالفات مؤيدة للجم الأطماع الروسية بالقوة إذا لزم الأمر، لكن هذا مستبعد على نطاق واسع في الوقت الراهن، ولأسباب كثيرة، بحسب الخبير.

أما ثالثا، الدعم الأمريكي يرتبط بطبيعة الاتفاق، وحجم التنازلات التي قد يقدمها كل من بايدن وبوتين لوقف التصعيد الروسي، وإبقائه في إطار حرب باردة غير معلنة بين الجانبين على الساحة الأوكرانية.

الناتو

وقد برز حلف شمال الأطلسي منذ العام 2014 كطرف تسعى أوكرانيا حثيثا إلى الحصول على دعمه وعضويته الكاملة، بدعم ومباركة دوله المجاورة حدوديا، ودعم الولايات المتحدة أيضا.

تشريعيا، تخلت أوكرانيا عن صفة "عدم الانحياز"، وأقرت تعديلات دستورية في بداية 2019، حددت بموجبها نهجا ثابتا نحو عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي.

خلال السنوات الماضية وفي إطار برنامج "الشراكة الشرقية" مع أوكرانيا وجورجيا، شهدت العلاقات مع الناتو نشاطا لافتا، من خلال قمم سياسية دورية، وتدريبات عسكرية مشتركة واسعة، وصلت في أواسط 2020 إلى ضم الحلف أوكرانيا لبرنامج "الفرص المعزز" للتعاون.

لكن قضية دعم الناتو لاوكرانيا أكثر تعقيدا بحسب خبراء كثر، قد يجمعون على أن الحلف غير معني أبدا بضم دولة ملتهبة الأجزاء، وإشعال مواجهة مباشرة وواسعة مع روسيا، أكبر قوى المنطقة.

يرى خبير العلاقات الدولية أندري بوزاروف أن "التعقيد هنا نابع بالدرجة الأولى من خشية مواجهة مباشرة قد تكون صعبة وطويلة ومكلفة، ثم من حقيقة أن دولا كثيرة في الحلف تعارض جهرا أو ضمنا ضم أوكرانيا، على رأسها المجر وفرنسا، وتربط ذلك "تقليديا" بضعف الإصلاحات والبعد عن معايير الحلف"، على حد قوله.

تركيا

وهنا قد تحل تركيا في المرتبة الثالثة من حيث التعويل على الدعم، لاسيما وأنها دولة رئيسية في الناتو، ومعنية بالملف الأوكراني، أكثر من غيرها ربما.

حول هذا الشأن تشهد الشهور الماضية، التي وصلت فيها علاقات التعاون العسكري بين البلدين إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، في إطار أكثر من 30 صفقة ومشروعا للتصنيع المشترك.

يقول بيتر ديكنسون - خبير الشؤون الأوكرانية في مركز "الأطلسي" للدراسات: "تركيا ترفض احتلال القرم واضطهاد التتار فيه، الذين تعتبرهم امتدادا عرقيا لها، ولا يسرها أيضا تعاظم نفوذ روسيا في البحر الأسود شمالا، وفي سوريا جنوبا".

وأضاف: "تركيا بوابة تريد من خلالها أوكرانيا التقارب أكثر مع الناتو، وهي، بمعزل عن الحلف، باتت خلال الأعوام الماضية قوة إقليمية لا يستهان بها، أثبتت حضورها في سوريا وليبيا وإقليم قره باغ بأذربيجان".

لكن ديكنسون يقلل من حدود الدعم التركي المباشر لأوكرانيا، فيقول: "الشراكة بين البلدين اقتصادية أكثر مما هي عسكرية، وأعتقد أنها تخضع لحسابات تركية متأنية جدا، خاصة فيما يتعلق بشراء الطائرات المسيرة التركية، فأنقرة حريصة -رغم الخلافات- على علاقاتها الأكبر والأوسع مع موسكو.

الاتحاد الأوروبي وبريطانيا

منذ بداية الأزمة الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا في 2014، برز الاتحاد الأوروبي كجهة رئيسية داعمة لأوكرانيا، من خلال رفض العدوان الروسي، وفرض العقوبات، وتقديم المساعدات المالية، وجهود الحل السياسي للتسوية في إطار "رباعية النورماندي" (روسيا وأوكرانيا وفرنسا وألمانيا)، وغيرها.

لكن السنوات القليلة الماضية شهدت تحولا في هذا الموقف، خاصة بين دول الاتحاد الرئيسية (ألمانيا وفرنسا)، مع تلميحات إلى أهمية تطبيع العلاقات مع روسيا مجددا، وإجراءات عدة في هذا الإطار.

يقول الخبير إيليا كوسا في "المعهد الأوكراني للمستقبل": "تأثرت أوروبا أيضا بعقوباتها والعقوبات الروسية، ومع الزمن، تقدمت المصالح على المبادئ التي لعبت الدور الأكبر في البداية".

ولكنه لفت إلى انقسام أوروبي إزاء الملف الأوكراني، قائلا: "دول البلطيق وبولندا أكثر تشددا من غيرها أوروبيا، وبريطانيا (قبل وبعد خروجها بموجب "بريكست") في خانتهم أيضا، لأنها جميعها تنظر إلى روسيا كدولة معتدية، لا تقف حدود عدوانها وتدخلاتها عند أوكرانيا فقط".

وأوضح أن "لدى تلك الدول مخاوف من سعي بوتين نحو استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، ولدى بريطانيا حاجز وهاجس يصدها عن روسيا، خاصة بعد حادثة تسميم العميل المزدوج سيرغي سكريبال في ساليسبري عام 2018".

هذا وقد برز خلال السنوات الماضية أيضا موقف دعم عسكري لافت من قبل كندا، جاء على شكل اتفاقيات تعاون عسكري، وتدريب ومناورات مشتركة.

حدود الدعم العسكري هنا، بحسب الخبير هنا، لن تتعد إطار الناتو، أو التنسيق مع الإدارة الأمريكية، خاصة إذا ما كانت الأخيرة جادة بوقف روسيا عند حدها، وبالقوة هذه المرة.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس"...

الجزيرة

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2021