العالم الموازي أو عالم القيصر المنتصر

نسخة للطباعة2026.11.05
عبد الرحمن عكل

«أنا صدقتك»؛ عبارة تراها في تعليقات مواقع الأخبار على خبر استهداف أوكرانيا لمصفاة نفط، أو تدميرها هدفاً مهماً في مطار عسكري، أو تدميرها طائرة أو باخرة أو غواصة، أو تنفيذها هجوماً مضاداً! ويتبع التعليق عادةً صورة ساخرة، يهدف صاحبها من خلالها إلى القول إن الخبر عارٍ عن الصحة!

والمشكلة أنه مهما حاولت أن تُري صاحب التعليق المصادر، وتربط له الأحداث بعضها ببعض، وتشرح له خسائر روسيا التي تجاوزت نصف مليون قتيل من جيش بوتن، يصر الرجل على التمسك بالصورة الخيالية في ذهنه: أن روسيا «التي بقيت ستة أشهر تحاول إخراج أوكرانيا من إقليم كورسك الروسي، ولم تنجح إلا بتدخل من كوريا الشمالية»، لا تزال لم تدخل الحرب بعد!

وأن روسيا «التي صرفت فقط على السلاح 660 مليار دولار » تستنزف الاتحاد الأوروبي والغرب، «الذي صرف بالمجموع حوالي 370 ملياردولار على التسليح والبنية التحتية والمساعدات ومصاريف الحكومة»! علماً بأن اقتصاد الاتحاد الأوروبي وأمريكا مجتمعة أفضل بعشرات المرات من الاقتصاد الروسي، حرفياً!

روسيا التي أصبحت تتوسل إلى الصين طلباً للمساعدة، وتخضع لابتزاز بكين لشراء النفط والغاز بأسعار توازي أسعار السوق الداخلي الروسي، لم تدخل الحرب بعد؟ روسيا التي أرسلت خيرة جنودها إلى كييف، لتدمير رتلها الشهير على أعتاب العاصمة الأوكرانية!

روسيا التي «لم تدخل الحرب بعد»، كما يقولون، اضطرت حرفياً إلى أول حملة تجنيد إجباري رسمية منذ الحرب العالمية الثانية، في خريف عام 2022، بعد هزيمة خاركيف المشينة!

من السهل على متابعي بوتن إنكار كل ما يحصل على الأرض، والعيش في عالم وردي تستنزف فيه روسيا «الغرب الجمعي»، وترديد أن روسيا تسيطر على ربع أوكرانيا، إذا تجاهلنا أن السيطرة القصوى لروسيا بلغت 27% عام 2022، لتصبح اليوم حوالي 19%، وأن تقدم الروس خلال السنوات الأربع الأخيرة لا يتجاوز 2%، وبخسائر قياسية!

وأن روسيا لم تحتل أي مدينة كبرى أو متوسطة بعد احتلالها مدينة ماريوبل عام 2022، التي بلغ عدد سكانها قبل الحرب نصف مليون أوكراني، علماً بأن المدينة كانت محاصرة أصلاً منذ حرب عام 2014.

وأن مساحات كبيرة من ما تحتله روسيا اليوم احتلته أصلاً في حرب عام 2014، أما ما تبقى من إنجازات، فهي في الغالب محصورة في الأشهر الأولى من حرب 2022، عندما لم تكن أوكرانيا مستعدة للحرب على الإطلاق!

لا يعني هذا الكلام أن الحرب نزهة بالنسبة إلى أوكرانيا، بل إن الحرب الحالية، حرفياً، مطحنة للطرفين! لكن أوكرانيا، التي وجهت في بداية الغزو الروسي رسالة مفادها «أهلاً بكم في الجحيم»، وظن كثيرون أن هذه الرسالة مضحكة، حولت القول إلى فعل!

لتتحول الحرب تدريجياً إلى جحيم للطرفين، وتتحول الحرب التي ظن أغلب الخبراء أنها ستنتهي، على الأقل، باقتطاع نصف أوكرانيا، إلى حرب لا تزال روسيا تزحف فيها، مع اقتراب نهاية العام الخامس من الحرب الحالية، محاولةً احتلال كامل إقليم الدونباس! علماً بأن الحرب الفعلية لاحتلاله بدأت منذ 12 عاماً، ولا تزال مستمرة!
علمأ أن وزير الدفاع الروسي السابق أعلن صراحة عن هدف احتلال الدونباس كاملة حتى نهاية 2025 وغالبا دنيبر وربما اوديسا حتى نهاية عام 2026 ولم يحصل أي من هذا علماً ان "العملية العسكرية" ليست فقط تجري كما يجب كما يحب أن يقول بوتن بل أفضل من المتوقع حسب زعمه

الحرب التي لا تحمل أهدافاً محددة، والتي أعلنت أهدافاً مثل نزع سلاح أوكرانيا وإزالة الحكومة الأوكرانية «النازية»، لم تحقق أياً من أهدافها، بل إن أوكرانيا اليوم مسلحة، وجيشها أقوى حرفياً من أي وقت مضى في تاريخ أوكرانيا منذ الاستقلال!

أما «أمن وأمان» روسيا، الذي تعهد بوتن بحمايته من خلال هذه الحرب، فقد أصبح من الذاكرة، مع اتساع رقعة الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، وتحول الحرب من دمار وخراب في المدن الأوكرانية إلى دمار وخراب في البلدين!

كمؤيد لروسيا والغزو الروسي، يمكنك تماماً تجاهل كل ما يحصل يومياً، وتجاهل اضطرار الروس إلى استخدام التقنيات العسكرية الإيرانية والصينية والكورية الشمالية، في سبيل الحفاظ على الصورة النمطية التي تقول إن «الدب الروسي» لم يقم بعد!

فطالما أنك بعيد عن خريطة الحرب اليومية، وبعيد عن قنوات التلغرام الروسية والأوكرانية التي تصف حال الجنود الروس، وبعيد عن قنوات جمع التبرعات لجيش «أكبر دولة في العالم»، فأنت تعيش في عالم آخر، يسطر فيه «القيصر» درساً لن ينساه «الغرب الجمعي»!

في عالم يتجاهل أن ترامب، رئيس الدولة التي يدّعي مؤيدو بوتن أنها تحارب روسيا بالوكالة عن طريق أوكرانيا، يضغط على زيلينسكي، «الدمية التي بين يديه كما تفترضون»، بكل الوسائل المتاحة، كي يوقف الرئيس الأوكراني قصفه لمصافي النفط الروسية، التي فشل الجيش الروسي في حمايتها، في سبيل الإبقاء على أسعار مشتقات النفط ضمن حدودها الحالية.

وطالما أنك بعيد عن كل ما يُقال في أوساط الجيش الروسي، وطالما أنك تتجاهل الخريطة، وتتجاهل مطالب الروس برفع العقوبات واستعدادهم لدفع أي ثمن من أجل التجارة مع أمريكا و«الغرب الجمعي»، فأنت اليوم أشبه بجمهور الاتحاد السوفيتي الذي كان «يتمتع» بجرائمه في أفغانستان، ظانّاً أن الاتحاد السوفيتي باقٍ وقادر على الاستمرار بسهولة، علماً بأن خسائر روسيا، التي تقل مساحتها وقدراتها كثيراً عن الاتحاد السوفيتي، أكبر بأضعاف مضاعفة من خسائر السوفييت في أفغانستان!

لكن العبرة في الخواتيم!

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022