موت بوتن.. هل هو السبيل الوحيد لإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية؟

نسخة للطباعة2026.08.05
عبد الرحمن عكل

تستمر الحرب الروسية الأوكرانية منذ مدة تجاوزت الحربين العالميتين الأولى والثانية، مخلفةً خسائر ضخمة للطرفين. وبينما تقترب الكفتان من التعادل على الأرض، تتسارع وتيرة استهداف البنية التحتية لدى الجانبين، لتتحول هذه الحرب إلى نقمة على البلدين.

وهنا يبرز السؤال الأساسي: بيد من هذه الحرب؟ ومن يستطيع إيقافها؟

للوهلة الأولى، أول اسم يتبادر إلى الأذهان هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتباره زعيم أقوى دولة في العالم، وصاحب التصريح الأشهر بأنه قادر على إيقاف هذه الحرب خلال أقل من يوم إذا وصل إلى السلطة. واليوم يقترب حكم ترامب من نهاية عامه الثاني، في ظل عجزه التام عن إيقاف الحرب.

في المقابل، كانت السردية الروسية ترتكز على احتمالين. الأول أن جو بايدن هو سبب الحرب، وأنها ستنتهي بمجرد خروجه من السلطة. لكن الحقيقة أن الرد على هذه السردية يكمن في أن الولايات المتحدة غيّرت ما بين ثلاث إلى أربع حكومات، بحسب طريقة العد، منذ بداية الحرب في جولتها الأولى عام 2014، كما غادرت إدارة بايدن السلطة منذ بداية الجولة الثانية، ومع ذلك لم يتغير شيء. فالحرب ما زالت مستمرة بوتيرة أشد من ذي قبل، وهو ما يكذب بشكل قاطع الرواية القائلة إن واشنطن أو بايدن هما سبب هذه الحرب.

أما السردية الثانية فتقول إن زيلينسكي وتعنته هما سبب الحرب. والغريب في هذه السردية أن زيلينسكي لم يكن في السلطة أصلًا عندما بدأت العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2014. فمنذ ذلك الوقت تعاقبت على أوكرانيا ثلاث حكومات، بل إن زيلينسكي، بعد وصوله إلى السلطة عام 2019، عمل على تخفيف حدة التصعيد بشكل كبير في محور دونباس، لكن ذلك لم ينجح في إنقاذ المنطقة من الحرب.

وهنا يبقى الخيار الثالث، وهو أن هذه الحرب هي فعليًا حرب فلاديمير بوتن.

لماذا بوتن؟

لأننا، خلال الأشهر الأخيرة على الأقل، سمعنا أصواتًا من داخل روسيا ومن حلفاء موسكو تطالب بوقف الحرب، لكن أكثر الأصوات تمسكًا باستمرارها صدرت من شخصين تحديدًا: بوتن نفسه، ردًا على دعوة حليفه قاسم جومارت توكاييف، رئيس كازاخستان، ومن المتحدث باسمه دميتري بيسكوف. وهذا يؤكد أن الحرب مستمرة بأمر من بوتن شخصيًا، وأن إرادته هي العامل الوحيد لإنهائها.

لذلك تستمر أوكرانيا في التصعيد ضمن استراتيجية تهدف إلى توسيع رقعة الخسائر الروسية، لإجبار بوتن على القبول بالسلام، أو على الأقل وقف إطلاق النار عند حدود خط التماس. لكن بوتن ما زال مصرًا على استمرار "العملية العسكرية" حتى نهايتها، على حد تعبيره.

وهنا يأتي السؤال: لماذا موت بوتن؟ ولماذا لا يتم تغييره مثلًا؟

الجواب هو أن النظام الروسي، بكل أسف، صُمم بطريقة غير قابلة للتبديل الطبيعي، فلا توجد فرصة حقيقية أمام مرشحي المعارضة، ولا حتى أمام شخصيات قوية من داخل السلطة، لمنافسة بوتن. فقد أغلق بوتن أي مجال للمنافسة، مهما كان مصدرها، ليجعل موته هو الوسيلة الوحيدة لتغيير السلطة.

لكن، هل سيؤدي موت بوتن إلى وقف الحرب؟

هناك أمثلة عديدة على تأثير تغيير السلطات في مسار الحروب. ففي سوريا، وعلى مدى أربعة عشر عامًا، أصرت المعارضة السورية على أن إنهاء الحرب مرهون برحيل أو موت شخص واحد فقط، هو بشار الأسد. وقد أنكر نظام الأسد وحلفاؤه في روسيا وإيران هذا الطرح، لكن بمجرد رحيل بشار الأسد انهار نظامه في أقل من يوم واحد، وطويت صفحة الحرب في سوريا، بما يؤكد أنها كانت بالفعل حرب شخص واحد.

في المقابل، لم يؤدِّ موت صدام حسين إلى وقف الحرب في العراق، ولا يمكن القول إن الأمر نفسه ينطبق على خامنئي في إيران. والسؤال هنا: لماذا؟ وهل كانت تلك الأنظمة ديمقراطية؟

الجواب يكمن في فهم ميكانيكيات كل حرب.

فالحرب في سوريا بدأها بشار الأسد ضد شعبه، وكان يملك في كل يوم، وفي كل ليلة، قرار إيقافها، لكنه لم يفعل. وعلى الرغم من أن معظم الأطراف، بما فيها حلفاؤه، فقدوا بشكل أو بآخر حماسهم لتلك الحرب، فإن هروب بشار كان السبب المباشر في إنهائها.

أما في العراق، فقد بدأت الحرب بقرار أمريكي، ولذلك فإن موت صدام حسين لم يكن كافيًا لإيقافها، لأنها كانت حربًا أمريكية، ولأن العراق كان في موقع الدفاع، كما أن الغزو لم ينتهِ، وبالتالي فإن سبب الحرب لم ينتهِ بموت صدام حسين. والأمر نفسه يتكرر الآن، بحسب هذا المنظور، في حالة الغزو الأمريكي لإيران.

وفي المقابل، لعب تغيير السلطة في الولايات المتحدة دورًا كبيرًا في إنهاء حرب فيتنام، لأن أمريكا كانت الطرف الغازي في تلك الحرب.

وبناءً على ذلك، فمن الطبيعي والمنطقي ألا تتوقف الحرب بسبب تغيير بايدن أو زيلينسكي. فهذه الحرب بدأها بوتن، إذ أطلقها للمرة الأولى عام 2014، ثم صعّدها عام 2022، وهو الشخص الوحيد المقتنع باستمرارها، أو بالأحرى هو وبيسكوف ودوغين. وبطبيعة الحال، لا بيسكوف ولا دوغين يملكان قرارًا مستقلًا إذا سقط نظام بوتن.

لذلك تبدو أمام بوتن فرصة أخيرة تمتد لفترة من الزمن قبل أن يبدأ الضغط الروسي الداخلي نتيجة استمرار هذه الحرب. فبوتن يعتبر أن خسائر الروس ليست ذات أهمية، ويطرح على الروس معادلة مفادها أن كل خسارة روسية سيقابلها خسائر أوكرانية. لكن الخسائر الأوكرانية لن تعوض الخسائر الروسية، وعدد المتضررين من الحرب يزداد يومًا بعد يوم.

وهنا يصل السؤال الأخير، وربما الأهم، إلى طاولة بوتن نفسه: هل يفهم هذه المعادلة ويبحث عن مخرج، أم أنه سيفرض على الجميع حقيقة أن المخرج الوحيد من هذه الحرب هو موته، أيا كانت أسباب هذا الموت؟

قد يستغرب البعض توقيت هذا المقال ولهجته، لكن المعارضة الروسية بدأت بالفعل تتحدث عن هذا الموضوع، فهل يكون ذلك مؤشرًا على أن هذا الأمر أصبح مطروحًا، على الأقل، للنقاش؟

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022