الحرب الروسية على أوكرانيا فخ أمريكي لاستنزاف روسيا؟

نسخة للطباعة2026.08.29
عبد الرحمن عكل

تُعتبر زيارة مدير المخابرات الأمريكية إلى موسكو، منذ عدة أيام، محاولة جديدة من حكومة ترامب لإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، خصوصًا مع اقتراب مرور عامين على وعد ترامب، خلال حملته الانتخابية، بإيقاف الحرب بين الطرفين خلال يوم واحد.

حملت الزيارة رسالة واضحة إلى موسكو: الوضع على الأرض أسوأ مما يصفه رجال بوتن، وإن استمرار الحرب لم يعد مجديًا. كما حملت رسائل أخرى، من بينها أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا كررت روسيا غزوها لدول أوروبية أخرى تنتمي إلى حلف الناتو، إلى جانب رسالة أخرى تتعلق بضرورة تخفيف روسيا من مساعدتها لإيران.

لكن السؤال الأهم هنا هو: إذا كانت الرسالة الأمريكية تحمل تحذيرًا هدفه إيقاف الحرب، فكيف يمكن أن تنسجم هذه الرواية مع الرواية الشهيرة التي تقول إن الحرب في أوكرانيا كانت، منذ البداية، فخًا أمريكيًا نُصب لاستنزاف روسيا؟

الحقيقة أنها لا تنسجم معها على الإطلاق.

من أين جاءت أسطورة الفخ الأمريكي؟

نشأت فكرة أن الحرب الروسية على أوكرانيا كانت فخًا أمريكيًا من حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها، وهي أن روسيا تتعرض بالفعل لاستنزاف كبير في أوكرانيا. ومن هنا يأتي افتراض بسيط لدى البعض: لا يمكن لحكومة دولة كبرى أن تدخل، بمحض إرادتها، حربًا تبدو غبية إلى هذا الحد، ولذلك لا بد من وجود فخ دفعها إليه طرف آخر.

لكن التاريخ يخبرنا بأن الحكومات، حتى حكومات الدول الكبرى، تقع مرارًا في أخطاء استراتيجية كارثية. بل إن أحد أحدث الأمثلة، بحسب هذا المنطق، هو حرب أمريكا نفسها على إيران. فالفخ الذي نُصب لأمريكا هو من إسرائيل، وليس من الصين، رغم أن الصين هي المستفيد الأكبر من دخول أمريكا في هذه الحرب.

إذًا، كيف يمكننا التأكد من أن الولايات المتحدة لم تنصب فخًا لروسيا؟

أحد أسباب انتشار هذه الفكرة يعود إلى أسطورة أقدم تقول إن الولايات المتحدة هي التي فككت الاتحاد السوفيتي.

صحيح أن أمريكا لعبت دورًا في إضعاف الاتحاد السوفيتي، سواء من خلال تسليح المقاومة في أفغانستان أو عبر الضغط لزيادة إنتاج النفط بهدف خفض أسعاره، لكن الهدف الأمريكي لم يكن تقسيم الاتحاد السوفيتي، بل إضعافه.

والدليل على ذلك واضح: جورج بوش الأب سافر إلى أوكرانيا وألقى خطابًا في كييف أمام البرلمان الأوكراني، دعا فيه جمهورية أوكرانيا إلى عدم الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي.

وهنا يطرح سؤال آخر: لماذا أرادت الولايات المتحدة إضعاف الاتحاد السوفيتي لكنها لم ترد تمزيقه؟

السبب بسيط. فوجود منافس ضعيف أفضل من وجود عدة دول جديدة تمتلك السلاح النووي. تقسيم دولة نووية يعني احتمال التعامل مع دول نووية جديدة، وهو ما يزيد من المخاطر الدولية بشكل كبير.

ولهذا، وبعد أن أصرت أوكرانيا على الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي رغم الضغط الأمريكي ضد الاستقلال، جاءت لاحقًا اتفاقية بودابست التي تخلت أوكرانيا بموجبها عن سلاحها النووي لمصلحة روسيا.

بمعنى آخر، كان الغرب يريد أن يرى القوة النووية الأساسية للاتحاد السوفيتي متمركزة في روسيا تحديدًا.

هل أرادت إدارة بايدن توريط روسيا؟

قد يقول البعض إن هذه أحداث تاريخية، وإن ما جرى خلال السنوات الأخيرة مختلف تمامًا، وإن حكومة بايدن كانت تريد توريط روسيا في الحرب الأوكرانية.

لكن الوقائع، وفق هذا المنطق، تشير إلى العكس تمامًا.

فقد سربت المخابرات الأمريكية استعدادات بوتن للحرب بهدف سحب عنصر المفاجأة، وفي الوقت نفسه مارست ضغطًا واضحًا على بوتن لمنع الحرب وإيقافها.

كما أن الولايات المتحدة لم تقدم لأوكرانيا، منذ البداية، كل ما تستطيع تقديمه من دعم عسكري، بل اتبعت مبدأ التصعيد التدريجي.

وكانت الرسالة واضحة: كلما استمر بوتن في الحرب، زادت المساعدات الأمريكية لأوكرانيا. أي إن هناك رابطًا مباشرًا بين استمرار الحرب وزيادة الدعم العسكري، في رسالة مستمرة إلى حكومة بوتن مفادها أن استمرار الحرب سيجعل كلفتها أعلى.

ولم يقتصر الأمر على ذلك.

فالزيارة الأخيرة لمدير المخابرات الأمريكية إلى موسكو كانت الأولى منذ سنوات، بينما كانت الزيارة التي سبقتها مرتبطة أيضًا بتحذير بوتن من البدء بالحرب في أوكرانيا.

حتى بعد أن رفضت أوكرانيا التفاوض مع بوتن عقب مجازر بوتشا، لم تكن تصريحات الرئيس الأوكراني مرضية للحكومة الأمريكية ولا للاتحاد الأوروبي، واستمر الضغط على زيلينسكي من أجل وضع خطة للسلام.

حتى لو افترضنا وجود فخ من حكومة بايدن فان تغير الحكومة وانتخاب ترامب يعني بالضرورة في هذه الحالة ايقاف الحرب لكن تغير الحكومة الأمريكية وانتخاب حكومة تمنع عن مساعدة أوكرانيا كسابقتها وتتقرب من موسكو لم يؤثر بأي شكل من الاشكال على حدة العمليات العسكرية بل يمكن القول ان الحرب ازدادت رقعتها مما يدل بشكل واضح ان زناد الحرب ليس في واشنطن بل موسكو

لماذا لا يخدم استنزاف روسيا المصالح الأمريكية بالضرورة؟

تعتمد السردية الدارجة بشكل كبير على فكرة أن استنزاف روسيا يصب تلقائيًا في مصلحة الولايات المتحدة. لكن هذه الفكرة مبنية على تصور خاطئ يعتبر روسيا المنافس الأهم لأمريكا.

هذا التصور لا يتطابق مع تقارير البنتاغون التي تضع الصين على رأس المخاطر الاستراتيجية.

فالصين هي المنافس الأهم اليوم للولايات المتحدة.

وعلى الرغم من انتشار فكرة تقول إن إضعاف روسيا يعني تلقائيًا إضعاف الصين، فإن النظرة الأمريكية تبدو مختلفة. فإضعاف روسيا قد يعني، في الواقع، منح الصين فرصة أكبر لاستغلال ضعفها والاستفادة من مواردها ونفوذها.

وهذا ما يحدث بالفعل منذ بداية الحرب.

فقد أصبحت روسيا تعتمد بشكل متزايد على الصين، بينما تستفيد الصين، في المقابل، من ثروات روسيا بأسعار زهيدة.

إذًا، ضعف روسيا قد يقوي الصين، وليس العكس.

كما أن وجود روسيا كدولة قوية في محيط الصين يمثل، بحد ذاته، عنصر ضغط على بكين. فروسيا، التي أصبحت اليوم قريبة جدًا من الصين، لم تكن على هذه المسافة منها قبل الحرب، وكانت تتعامل مع الولايات المتحدة وأوروبا بشكل أكثر توازنًا.

روسيا، من هذه الزاوية، لا تشكل التهديد العسكري الأهم للولايات المتحدة، بينما تمثل الصين التحدي الأكبر، لأنها تنشط في منطقة حيوية جدًا للأمن والمصالح الأمريكية، على عكس روسيا.

لماذا دفعت روسيا أوروبا إلى المواجهة؟

الوضع مختلف بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

فروسيا تشكل خطرًا مباشرًا وكبيرًا على أوروبا لأنها تنشط في منطقة حيوية جدًا للأمن الأوروبي. ومع ذلك، كان الاتحاد الأوروبي يأمل في بناء علاقات اقتصادية واسعة مع روسيا، مستفيدًا من مواردها المهمة والرخيصة.

لكن الحرب الروسية على أوكرانيا دمرت هذه العلاقات.

فمهما كانت الفوائد الاقتصادية للعلاقات مع روسيا، لا يمكن للأوروبيين تقبل فكرة غزو عسكري لأراضٍ أوروبية، خصوصًا بعدما أصبحوا يدركون أن ما حدث في أوكرانيا قد يتكرر يومًا ما في عواصم أوروبية أخرى.

ولهذا، فعليًا، روسيا هي التي دفعت أوروبا إلى المواجهة، وليس العكس.

من يريد إيقاف الحرب؟

في النهاية، تستمر كل من أوروبا والولايات المتحدة في الضغط على روسيا من أجل إنهاء الحرب.

كما تتوالى اقتراحات السلام والهدن من الجانب الأوكراني، بدعم أمريكي وأوروبي، بينما تضع روسيا شرطًا واحدًا فقط لإيقاف الحرب: استسلام أوكرانيا.

وهو، عادة، شرط الطرف الذي يبدأ الحرب، إذ يرفض إنهاءها ما لم يستسلم الطرف الآخر. وهذا يوضح من بدأ الحرب، ومن يملك القدرة على إيقافها.

حتى الحملة الأوكرانية الأخيرة للتصعيد داخل روسيا تهدف، بحسب هذا المنطق، إلى زيادة الضغط على موسكو وإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وفي المقابل، يبدو أن بوتن مستمر في تجاهل حقيقة أن الحرب التي أشعلها ضد دولة جارة كانت حليفة في الماضي قد حولتها إلى أحد ألد أعداء روسيا.

لقد استمرت هذه الحرب منذ عام 2014، في سبيل تحقيق حلمه الإمبراطوري بضم الأراضي الأوكرانية، وتنصيب نفسه قيصرًا على دماء الروس والأوكرانيين على حد سواء.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022