تقود الولايات المتحدة تحالفًا من عدة دول، هدفه إما تغيير النظام الإيراني أو ترويضه. ومع الساعات الأولى للغزو على إيران سقط معظم قادة الصف الأول في إيران، ليتحول الهدف الإيراني من حماية النظام إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وشركائها في هذا الغزو. ومع أن أمريكا حققت، بشكل تقريبي، السقف الأدنى لأهداف العمليات، إلا أن استمرار العمليات العسكرية وطموح ترامب في تحقيق مكاسب أكبر بكثير يجعله، بشكل أو بآخر، متأثرًا وبقوة بطبيعة الرد الإيراني.
جاء الرد الإيراني على شكل استهداف للأراضي التي تسيطر عليها الحكومة الإسرائيلية، متزامنًا مع تركيز عالٍ للقصف على مناطق القواعد العسكرية الأمريكية، ثم رفع السقف إلى استهداف بنية تحتية مدنية لدول الخليج العربي. والسؤال هنا: طالما أن الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية هما العدو الرئيسي في هذه الحرب، لماذا يتم تركيز الرد ضد الدول العربية؟
السبب الأول هو أنه، وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية أصبحت تعتبر الحكومة الإيرانية عدوًا مهمًا جدًا يجب إسقاطه، تبدو لائحة الأعداء بالنسبة للنظام الإيراني أعقد بكثير. فهم في حالة مواجهة داخلية مع قسم كبير من الشعب الإيراني الرافض لوجودهم. وفي الوقت نفسه تستمر إيران في مشروع "تصدير الثورة" للدول العربية. وحتى بعد خسارتها في سوريا فإنها لم تتخلَّ عن سوريا أبدًا، فهي متورطة في تمويل تحركات داخل سوريا لتقويض الحكومة السورية الحالية. كذلك فإنها تصر على تقوية وجودها في كل من العراق واليمن حتى لا يحصل لها ما حصل في سوريا، وعلى ما يبدو أنه قد يحصل قريبًا في لبنان. لذلك فإن التصريحات السياسية غير مهمة؛ المهم هو الاستثمار العسكري. واستثمار إيران العسكري يتركز على الجبهة الداخلية عن طريق إخضاع إيران كاملة لسلطة الحرس الثوري من جهة، ولتقوية مشاريعها في الدول العربية التي تعرضت لضربات قوية في الفترة الأخيرة من جهة أخرى. ولا يبدو الاستثمار في معاداة إسرائيل أمرًا مفيدًا حاليًا للحكومة الإيرانية، فقائمة الأعداء طويلة والقدرات الإيرانية لم تعد بالقوة نفسها.
السبب الثاني هو أن إيران أصلًا غير قادرة على استهداف أمريكا. صحيح أنها قادرة على استهداف إسرائيل، لكن كلما زادت قوة الضربة الإيرانية لإسرائيل وجب على أمريكا وإسرائيل الرد. المشكلة تكمن في أن إيران مضطرة للرد بعد تراكم الضربات النوعية التي تلقتها، لكن القائمين على رأس الهرم يعلمون تمامًا أنهم لا يملكون القدرة على أي تصعيد، بل إنهم مهتمون بتهدئة مشروطة لا تبدو كاستسلام. لذلك فإن الضربات الإيرانية محسوبة كي لا تثير غضب الطرف الآخر.
من هنا يبدو استهداف الجيران العرب هدفًا أقل إثارة لحفيظة التحالف ضد إيران من ناحية، ومن ناحية أخرى يخدم هدف استنزاف أمريكا بطريقة غير مباشرة دون إثارة غضبها.
تعتمد خطة الاستنزاف على مبدأ جعل الحرب مكلفة جدًا لأمريكا وحلفائها، ليحصل ضغط كبير على ترامب لإنهاء الحرب. فهدف الحكومة الإيرانية الحالية ليس "الانتصار"، إذ لا يوجد أي شكل من أشكال الانتصار في هذه الحرب، بل الهدف هو إجبار أمريكا على وقفها. ومن هنا تركز إيران على أن ضرب دول الخليج يستهلك مخزونها من المضادات الجوية من ناحية، ومن ناحية أخرى يرفع سعر النفط إلى مستويات قياسية قبيل الانتخابات النصفية في أمريكا، مما يعني تهديدًا سياسيًا حقيقيًا للحزب الجمهوري. وبالتالي سيكون الضغط على ترامب من الدول العربية من جهة، ومن حزبه من جهة أخرى.
هل يضر الرد الإيراني أمريكا أم يفيدها؟
في الحقيقة، يبدو استنزاف الموارد مؤذيًا على المدى القريب، لكن الواقع هو أن دول الخليج غير قادرة على تشكيل جيوش مستقلة تقف أمام أي عدوان إيراني محتمل. فمعظم دول الخليج، لو وضعت كل سكانها في عداد الجيش، لما كفى ذلك في حال غزو من الطرف الإيراني. يبدو الاستثناء من هذه القاعدة هو السعودية، لكن المملكة العربية السعودية في الحقيقة مترامية الأطراف، ولا يبدو أن عدد السكان والجيش كافٍ لتغطية المملكة بشكل يحميها دون أي أحلاف خارجية.
لذلك كان الجيش العراقي، في يوم من الأيام، هو الحليف الأفضل لحماية دول الخليج، قبل أن ينقلب نظام صدام حسين على حلفائه ويغزو الكويت، تاركًا الخليج العربي أمام خيارات محدودة لحماية أمنه. تبدو أمريكا أكثرها واقعية. لكن بشكل عام، كانت دول الخليج تتمنى لو أنها لم تكن بحاجة للحماية الأمريكية.
لكن، تمامًا كما أن غزو روسيا لأوكرانيا أعاد للأوروبيين أهمية الناتو، فإن الضربات الإيرانية ذكّرت دول الخليج بأهمية وجود القواعد الأمريكية. وهذا يعني أنه على المدى المتوسط والبعيد فإن الضربات الإيرانية تعني تزايد الطلب على السلاح الأمريكي والوجود الأمريكي، وليس العكس. قد تدرك الحكومة الإيرانية الحالية هذا الأمر، لكنها كما سبق لا تملك خيارات أفضل. فهي توسع رقعة الرد لتقلل من كثافته، لتعطي إيحاء بأنها لم تستسلم، وترد في الوقت نفسه، بينما تستنزف حلفاء ترامب للضغط عليه لإيقاف الحرب.
التأثير على الحرب في أوكرانيا
من الصعب التنبؤ بكامل تأثير حرب الخليج الحالية على الغزو الروسي لأوكرانيا. فمن ناحية يبدو وكأن إضعاف إيران مفيد لأوكرانيا، كون إيران حليفًا مباشرًا لروسيا يمدها بتقنية الطائرات المسيرة المهمة في حربها على أوكرانيا. لكن من ناحية أخرى، تقوم الحرب الحالية برفع أسعار النفط بشكل كبير، وفي حال حصل استثناء لروسيا من العقوبات ولو لفترة مؤقتة، كما يُشاع، فإن الروس سيعوضون الخسائر الاقتصادية الناتجة عن العقوبات، ولو مؤقتًا، بحسب الكمية التي سيتم ضخها.
لكن من ناحية أخرى فإن دول الخليج باتت تدرك أهمية وجود طريقة رخيصة نسبيًا لتعطيل الدرونات الإيرانية. وتبدو أوكرانيا قوة مهمة؛ وقد بدأ بالفعل التعاون معها في هذا المجال، مما يعني تقاربًا خليجيًا أوكرانيًا سيصب في مصلحة كييف. وللصين أيضًا حسابات في كلتا الحربين ستؤثر عليهما. لذلك يبدو من الصعب التنبؤ بتأثير هذه الحرب على الساحة الأوكرانية، لكن من المؤكد أنها ستغير الأوضاع وستعيد الحسابات، وربما تغير الأحلاف.
الخلاصة
بكل الأحوال، وكما سبق وتم التأكيد عليه، فإن خريطة العالم وخريطة الأحلاف بدأت بالتغير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن الغزو الأمريكي لإيران سيكون له دور كبير في تغيير الخرائط والأحلاف. ولا يبدو أن الحكومة الإيرانية الحالية تترك أي خيار حتى لحكومات كانت تعتبر حليفة، مثل الحكومة القطرية والتركية، إلا أن تحذر من أي عدوان في أي لحظة, بالتالي فأن حكومة ايران هي من يحرض فعليا ضد ايران, لكن نهج الحرس الثوري في مشروع "تصدير الثورة" لم يعد يترك اي خيار أخر.
رابط الفيديو:
https://www.youtube.com/watch?v=-xYdmkv70ns
اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)
المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".
حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022