في مقال سابق استعرضنا لماذا لا يعتبر موضوع اراضي الدونباس هو العقدة الرئيسية في المفاوضات, وعلى الرغم من ان الاعلام العالمي كان يردد ان مسار المفاوضات في تقدم ملحوظ فأن الحقيقة لم تكن كذلك بل ان طرفي المفاوضات ابعد ما يكونوا عن بعضهم البعض رغم الجمع بينهما في غرفة واحدة بجهد الوساطة الأمريكية
أهداف الحرب المعلنة
والحقيقة هي أنه كي نفهم كيف ممكن أنهاء الحرب علينا أن نفهم اولا ما هي أهداف روسيا من الأستمرار في الحرب بما أن الطرف الروسي هو الطرف المعارض حالياً لوقف اطلاق النار المقترح من قبل أمريكا, الاهداف المعلنة الأربعة هي ايقاف الناتو عن الاقتراب من روسيا سواء بشكل مباشر او غير مباشر والدفاع عن الاقليات الناطقة باللغة الروسية في شرق أوكرانيا و الغاء تسليح أوكرانيا و ازالة النظام الحاكم في اوكرانيا "النازي" على حسب زعم النظام الروسي
المشكلة هي أن روسيا لم تفشل في تحقيق هذه الاهداف الاربعة فحسب بل ان "العملية العسكرية الخاصة" كانت سبب مباشر لجعل الامر اسوء في كل الملفات الاربعة!
فالحرب الروسية كانت سبب لتوسعة الناتو باتجاه فنلندا والسويد من ناحية وقربت دول اخرى كانت تدور في فلك روسيا لتصبح اقرب بكثير لنفوذ الناتو مثل اذربيجان وارمينيا, حتى سوريا التي كانت تحتلها روسيا بشكل مباشر اصبحت الان اقرب بكثير للتيار الغربي
الاقليات الناطقة باللغة الروسية هي من تلقى الحمل الاثقل في الحرب الروسية! فالقصف الروسي مستمر بشكل يومي على اوديسا وخاركيف مما دفع الكثير من الناطقين باللغة الروسية الى ترك منازلهم او ما بقي منها في بعض الحالات ونفس الامر ينطبق على الدونباس وزاباروجيا وخيرسون وبدرجة اقل دنيبر, ناهيك عن تحول كثير من الاوكران الناطقين بالروسية "بمن فيهم من يعتبر نفسه من اصول روسية" طواعية للغة الاوكرانية بسبب الحرب الروسية وما سببته من كره للغة وللدولة الروسية
الغاء تسليح أوكرانيا اصبح امر من سابع المستحيلات! اوكرانيا التي سلمت سلاحها الفعال طواعية باتفاقية بودابست لروسيا تحديدا عام 1994 شاهدت بنفسها كيف ان السلاح الاوكراني المسلم لروسيا تم استخدامه لقصف المدن الاوكرانية! اوكرانيا اليوم اصبحت دولة تتسلح من قبل الاتحاد الاوربي ضمن برنامج منتظم بنفس الوقت التي تطور هي نفسها من برامج التسليح الذاتية خاصة في مجال الدرونات والروبوتات وقد قامت بانجازات كبيرة قلبت الطاولة ضمن هذه الحرب بما فيها من تهميش نسبي لتاثير البحرية الروسية في البحر الاسود و الردود المستمرة على القصف الروسي للمدن الاوكرانية باستهداف المدن الروسية بالطيران المسير
اما موضوع تغيير الحكومة الاوكرانية فان استمرار الحرب يضمن للحكومة الاوكرانية البقاء على رأس السلطة بحسب القانون الاوكراني لاستحالة تنفيذ انتخابات ديمقراطية في ظل الحرب المستمرة! والمثير للسخرية هو ان لو روسيا لم تقم ب "العملية العسكرية الخاصة" لما كان وضع الاقليات الناطقة بالروسية بهذا السوء ولكان للغة الروسية قوة اكبر في اوكرانيا ولم يكن الناتو ليتوسع شرقا بهذه السرعة ولبقيت اوكرانيا دولة تركز على الزراعة والاقتصاد بدل تركيزها العالي اليوم على التسليح, وطبعا والاكثر سخرية هي انه لربما لما كانت الحكومة الاوكرانية الحالية اصلا موجودة اليوم لاستحقاق الانتخابات الاوكرانية تقريبا منذ عامين! بل الاغرب من ذلك ان الحرب لو استمرت ل 4 سنوات اخرى تكون الحرب قد خدمت زيلنسكي وفريقه خدمة العمر لانها ابقته في السلطة لفترة تتجاوز الحد الاقصى الذي يمكن له ان يصله حتى لو ربح جولتين انتخابيتين! بمعنى اخر فأن الاهداف المعلنة للحرب لم تفشل فحسب بل انها اوصلت الوضع الى نتائج معاكسة تماما وكأن الحكومة الروسية الحالية تعمل لعكس ما تعلنه!
"من الذي سمح لكم حياة جيدة"
الحقيقة ان اهم من الاهداف المعلنة هدف يبدو أهم من هذه الاهداف مجتمعة وكأنه الهدف الحقيقي الذي تخرج منه باقي الاهداف!
بعيد الغزو الروسي للشمال الاوكراني وجد بعض سكان ضواحي مدينة كيف كتابات روسية على الجدران من الجيش الروسي بعبارة "من الذي سمح لكم حياة جيدة؟"
قد تستغرب العبارة لكن المشكلة الأساسية في الحرب أن الروس والنظام الروسي قائمين على فكرة الدكتاتورية والسيطرة وسلطة الخوف, بقاء الهيمنه وسلطة الخوف أمر في غاية الاهمية بالنسبة للنظام الروسي الحاكم وحتى للجيش الروسي وعقيدته لذلك فأن الاعلام الروسي ولسنوات قبل الحرب كان يمهد للحرب بتصوير الاوكران على انهم خرجوا عن بيت الطاعة وأن على الحكومة الروسية تأديبهم! وقد يبدو هذا الامر على انه بروباغاندا عادية لدعم الحرب وانه لا يمكن ان يكون المحرك الأساسي للحرب! وعلى الرغم من من عبارة بوتن الشهيرة بأن الشعب والحكومة الاوكرانية عليهم ان يصبروا على أوامر روسيا حتى لو لم يعجبهم الامر فأنه من المستبعد للوهلة الأولى ان يكون هذا ما يحرك الحرب, لكن حقيقة ولو نظرنا بشكل أعمق فأن النظام الروسي الذي شاهد ثورة الميدان في اوكرانيا وشاهد تأثر الروس بها وخروج مظاهرات كبيرة في موسكو وسان بطرسبورغ ادرك أن اوكرانيا تشكل خطرا كبيراً على النظام الروسي, فهي ان نجحت في التقارب مع اوربا فانها ستكون نموذج يتطلع له الشعب الروسي في التحرر من الانظمة الدكتاتورية, لذلك فأن بوتن يكره أوكرانيا شخصيا! ويعتبر ان مطلب تأديب أوكرانيا التي خرجت من "بيت الطاعة الروسي" امر في غاية الاهمية لحماية هيبته وامنه امام شعبه! وعلى الرغم من انه قرر الانتقام من اوكرانيا عام 2014 بعد المظاهرات التي ادت لهروب الرئيس الاوكراني التابع لموسكو عندها يانكوفيتش الا ان بوتن لم يكن يأخذ أوكرانيا بعد على محمل الجد, الهدف بالنسبة له في عام 2014 كان تأديب الطرف الأوكراني وجعله يندم على انه ترك روسيا وتوجه للغرب ودعم اي تيار يعيد اوكرانيا الى حظيرة الطاعة, لم تنجح الخطة تماما كما كان يخطط لها بل ان اوكرانيا المثقلة بمشاكل الحروب والتي لا تملك موارد طاقة كافية لشعبها استطاعت ان تصل الى حد ادنى من الرواتب يضاهي بل ويتفوق احيانا على الحد الادنى من الرواتب في روسيا التي يفترض انها كدولة عظمى تملك اكبر مخازن الطاقة يفترض ان يكون مستوى المعيشة فيها اعلى بمراحل من اوكرانيا "وهو امر حاصل بالفعل بدرجة او بأخرى ضمن مدن روسيا الكبرى لكنه غير حقيقي في ما يخص المدن الروسية البعيدة عن المراكز الكبرى"
بوتن ونظامه كانوا قادرين على التدخل بشكل أكبر بكثير في اوكرانيا عام 2014 لكن الهدف لم يكن كما هو الهدف اليوم!
استمرار الشعب الروسي والحكومات الاوكرانية المتعاقبة في نهج بناء دولة بعيدا عن درب روسيا كان مستفزا لبوتن والامر الذي استفز بوتن بشكل اكبر ان زيلنسكي الرئيس الشاب المحسوب اصلا على التيار الشرقي قام باغلاق وسائل الاعلام التابعة لروسيا في اوكرانيا, لربما تكون هذه اللحظة التي سبقت الحرب الروسية على اوكرانيا بعامين هي اللحظة التي اتخذ فيها بوتن قرار الحرب لتأديب اوكرانيا التي خرجت عن عصا الطاعة مرارا وتكرارا!
اذا فأن الهدف من "العملية العسكرية الخاصة" هو تاديب أوكرانيا وتركيعها! لذلك فأن اي خيار للسلام يفترض بالنسبة للطرف الروسي ان يكون مشروط باتفاقية اذعان واذلال واستسلام للطرف الاوكراني, الاستسلام الاوكراني قد يكون اهم من الأراضي وأهم من اي مكسب أخر للروس, فالمهم عند النظام الروسي الحالي ان يخرج من الحرب منتصرا ليحمي صورته لكن الاهم حتى من انتصار الطرف الروسي هو خسارة الاوكران لتأكيد الصورة النمطية أن "لا تلعب ابدا مع الدب الروسي فتخرج خاسراً ذليلاً" لذلك نرى تركيز كبير جدا للاعلام الروسي والذباب الالكتروني التابع له على هذه النقطة تحديدا وعلى ضرورة استسلام الاوكران وطلبهم المغفرة من الروس مع ان الطرف الروسي هو من بدأ الغزو مرتين!
لهذا السبب يصر بوتن وحكومته على اخراج مذل للأوكران من باقي مناطق الدونباس التي فش بوتن وجيشه من اخراج الاوكران منها بالقوة العسكرية! ولا يكتفي بوتن بذلك هو يريد ان تتضمن اي اتفاقية للسلام شروط اذعان واضحة تسمح لروسيا التحكم بالدولة الاوكرانية وتظهر بوضوع على ان اوكرانيا خرجت خاسرة من الحرب
عقدة المفاوضات هي عقدة الحرب
من ناحية اخرى قد يقول قائل أن قوة روسيا بدون ادنى شك قادرة على احتلال باقي مناطق الدونباس ولكنهم لا يقومون بذلك بدل التحرك ببطأ شديد جدا وبكلفة بشرية هائلة فما السبب؟
لفهم الحقيقة علينا أن نعود لما قاله الضابط السابق الروسي ايغور غيركين السجين حاليا في سجون بوتن عن هذه الحرب, ولمن لا يعرف فأن غيركين او كما يسمونه "ستريلكوف" في عام 2014 كان اهم ضباط الروس للعمل على الارض وهو صاحب الانجاز الاهم في كلا الحربين في اوكرانيا وهو احتلال مدينة دونتسك اهم المدن التي احتلتها روسيا من اوكرانيا
غيركين الذي تم سجنه لاستمرار انتقاده لطريقة بوتن في ادارة الحرب وهو معروف بكرهه الشديد للاوكران يرى أن السبيل الحقيقي للانتصار في الحرب هو ايقاف مهزلة "العملية العسكرية الخاصة" والدخول في مفهوم الحرب الكاملة الشاملة وتعبئة عاملة للشعب الروسي وتوجيه كل الطاقات للحرب المفتوحة! والحقيقة هو ان رغم ان الحرب بالفعل تستهلك قسم كبير من الاقتصاد الروسي وتستمر بكلفة بشرية مهولة على الطرف الروسي لكن النظام الروسي لم ولن يقوم بتعبئة مرة اخرى "بعد التعبئة في بداية الحرب بعد انهيار جبهة الشمال" ولن يقوم بتسمية الحرب باسمها الحقيقي, والسبب هو نفس السبب الذي يعقد المفاوضات! السبب هو ان الهدف بالاساس من الحرب هو اذلال الطرف الأوكراني! لو تم تسمية الحرب باسمها الحقيقي فأن صمود اوكرانيا امام روسيا حتى لو بخسائر اكبر يضع الطرفين في كفتي الميزان! بالتالي يحول اوكرانيا الى "فيتنام اخرى" للطرف الروسي! وعلى الرغم من ان خسائر الروس تتجاوز بمراحل خسائر الامريكان في فيتنام لكن التاريخ كتب ان فيتنام اذلت القوات الامريكية وهو امر لا يريده الروس! الروس يريدون اعادة كتابة الاحداث بشكل يقوم التاريخ والحاضر بتعظيم الطرف الروسي واذلال الطرف الاوكراني لذلك لا يمكن ان يكون الطرفان تحت اي مجال من مجالات المقارنة ولا يمكن ان يقال ان روسيا تقوم بوضع كل ثقلها في الحرب لانه اي تكن النتيجة فأن الصمود الاوكراني يعني اذلالا للطرف الروسي! الطرف الروسي الذي يريد من العالم ان ينسى انه احتاج للسلاح الايراني والصيني والكوري كي يبقى في ساحة الحرب واحتاج لجنود كوريا الشمالية لتحرير اراضي كورسك الروسية من القوات الاوكرانية!
المعضلة الكبرى
لذلك فأن النظام الروسي امام معضلة كبيرة فهو لن يقبل باي اتفاق سلام يظهر الطرفين على انهما منتصرين وسيطالب بشروط تذل الطرف الاوكراني وسيتعمد بالغلو في تلك الشروط, بنفس الوقت هو غير قادر على الزج بكل قوته في هذه الحرب التي اصبحت من اسوء وابطأ الحروب في هذا القرن بل والاستمرار فيها الى ما لا نهاية حتى ارضاخ الطرف الاوكراني على الاستسلام ويبدو هذا هو الخيار الاساسي والوحيد للنظام الروسي والسؤال الوحيد هو هل هم سيكتفون باستسلام جزئي لايقاف الحرب مؤقتا ام انهم سيطالبون باستسلام كامل
في النهاية اصبحت هذه الحرب اسوء "عملية عسكرية خاصة" راح ضحيتها مليون و مئتي الف بين قتيل وجريح من الطرف الروسي في سبيل اخضاع اوكرانيا بدل التركيز على بناء روسيا بنفس التمويل والجهد المبذول لتكون الكارثة انه وبالمقارنة شهدنا عمليات عسكرية اخرى كعملية امريكا العسكرية في فنزويلا وعمليتي النظام السوري الحالي الاولى لتحرير سوريا من النظام السابق وحلفائه بشكل شبه كامل ثم ضد وحدات قسد وعملية اذربيجان في كارباخ وكل هذه العمليات العسكرية الخاصة استهلكت ايام وربما احيانا ساعات بينما يجر النظام الروسي بلده وبلدان الجوار الى صراغ لا نهاية فيه في سبيل حماية عقيدة الخوف لانه لا يعلم طريقة اخرى لحكم بلده وتوحيد شعبه الا عقيدة الخوف.
اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)
المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".
حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022