قضايا الوصول تعمق أزمة المساعدات الإنسانية في شرق أوكرانيا

نسخة للطباعة2016.03.06

توشك إيلينا على المرور عبر نقطة تفتيش تابعة للحكومة الأوكرانية بالقرب من بلدة ستانيتسيا لوغانسكا في شرق البلاد، وعبور الجسر الذي تم تفجيره والذي يقود إلى الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون.

إنها تنتظر العودة إلى لوغانسك، العاصمة الفعلية لـ"جمهورية لوغانسك الشعبية"، بعد رحلة سريعة عبر الخطوط الأمامية للحرب الأوكرانية لشراء بعض اللوازم الأساسية.

لم تحاول إيلينا حتى شراء دواء لوالدتها البالغة من العمر 86 عاماً، والتي تعاني من مرض يؤثر على جهازها العصبي.

"لا توجد لدينا أي أموال، ولذلك فإننا لا نذهب حتى إلى الصيدلية،" كما أفادت إيلينا، التي لا تريد ذكر اسم عائلتها، في حديث مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين).

تحصل والدتها على ما يسمى "معاش التقاعد" من المتمردين، لكنها تعاني من وهن شديد ولا تستطيع عبور الحدود للحصول على المعاش التقاعدي أو استحقاقات العجز الرسمية من الدولة.

وتقول إيلينا أنه استدعت سيارة إسعاف لوالدتها في شهر سبتمبر الماضي، ولكن قيل لها أن سيارات الإسعاف لم تعد تذهب إلى كبار السن لأنها لا تستطيع مساعدتهم.

وكل ما تستطيع إيلينا القيام به هو محاولة توفير المال عن طريق عبور خط المواجهة كلما استطاعت ذلك لشراء أكبر كمية ممكنة من الغذاء والعودة بها. في هذه المرة، لديها لحم وتفاح وبعض الحلويات.

وفي شهر مارس الماضي، نشرت شبكة الأنباء الإنسانية تقريراً من الجانب الآخر لنفس الجسر المحطم، واصفة تدفق الناس إلى المناطق التي تسيطر عليها حكومة أوكرانيا، حيث تتوافر الأدوية ومعاشات التقاعد الحكومية والمواد الغذائية الأرخص ثمناً.

وبعد مرور ما يقرب من عام، نضطر لإجراء مقابلات مع أشخاص من الجانب الحكومي لأن دخول الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون أصبح صعباً على نحو متزايد. ولكن الصحفيين ليسوا الوحيدين الذين تم تقييد حرية تنقلهم.

وأبرز تقرير صدر مؤخراً عن مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان تأثير تشديد القيود على كل من المدنيين والمنظمات الإنسانية التي تحاول الوصول إليها. وفي التقرير، الذي يغطي الفترة من منتصف نوفمبر إلى منتصف فبراير، تقول المفوضية أنها لاحظت بانتظام وجود ما يصل إلى 400 مركبة - سيارات وحافلات صغيرة وكبيرة - تنتظر فرصة لعبور الحدود.

وتقول خدمة الحدود الحكومية في أوكرانيا أن ما بين 8,000 و15,000 مدني يعبرون ما يسمى "خط التماس" يومياً. ويضيف تقرير الأمم المتحدة أن "الركاب يقضون الليل في البرد القارس دون إمكانية الحصول على المياه والصرف الصحي.

وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، توفي شخصان مسنان (رجل وامرأة)، أثناء انتظارهما في طوابير عند نقاط التفتيش بسبب عدم توافر الرعاية الطبية في الوقت المناسب". عبور صعب وقد أدى الصراع، الذي بدأ في أبريل 2014 عندما استولى الانفصاليون الموالون لروسيا على أجزاء من شرق أوكرانيا، إلى وفاة 9,160 شخصاً على الأقل.

ووفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، وهو هيئة تنسيق المساعدات الطارئة في الأمم المتحدة، يحتاج 3.1 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية.

وحتى شهر نوفمبر من عام 2015، كان ما يقدر بنحو 2.7 مليون شخص يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في دونيتسك ولوغانسك، اللتين يعتبرهما الانفصاليون جمهوريتين شعبيتين مستقلتين.

وعلى الرغم من الانخفاض العام في مستوى الأعمال العدائية وأعداد الضحايا من العسكريين والمدنيين خلال أشهر الشتاء، إلا أن سكان المناطق التي يسيطر عليها المتمردون الذين يريدون السلع الأساسية والأقل تكلفة لا يزالون.

ويوضح تقرير الأمم المتحدة أن "حرية الحركة بالنسبة للمدنيين في لوغانسك مقيدة بشكل خاص. وحتى 15 فبراير، كانت أربعة ممرات نقل فقط لا تزال مفتوحة بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة (المتمردون)". وتوجد ثلاثة من تلك المعابر، التي تسمح جميعها بمرور المركبات، في دونيتسك.

أما الممر الوحيد الموجود في لوغانسك فهو المخصص للمشاة، عبر الجسر المحطم والسلالم ذات الانحدار الحاد، حيث التقت شبكة الأنباء الإنسانية بإيلينا، وحيث لا يوجد حد واضح لما يمكن للمدنيين حمله.

وتجدر الإشارة إلى أن سكان لوغانسك، التي يسيطر عليها المتمردون، إذا رغبوا في عبور الحدود بكميات أكبر من السلع أو في سيارات، يجب أن يمروا عبر دونيتسك أو روسيا: وهي الطرق التي تفرض القيود والتحديات الخاصة بها.

وعلى الجانب الحكومي، تولت خدمة الحدود الحكومية في أوكرانيا السيطرة على نقاط التفتيش في شهر أغسطس الماضي وبدأت تفرض قواعد وإجراءات أكثر صرامة يمكن للمرء أن يربط بينها وبين مغادرة المناطق السيادية.

وما زاد الطين بلة، وفقاً لتقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أنه اعتباراً من 19 يناير، أصبحت الحركة بين الجانبين تخضع لقيود أكثر لأن سلطات المتمردين في دونيتسك بدأت تتطلب تسجيل بيانات جواز السفر.

وعندما يندلع القتال، غالباً ما يتم إغلاق نقاط التفتيش الواقعة بالقرب من المناطق المتضررة (حدث هذا في 3 فبراير عند معبر زايتسيف)، مما يجعل فرار المدنيين أكثر صعوبة ويصبح من الأرجح أن يحاولوا العثور على طرق بديلة في المناطق التي قد تكون مزروعة بالألغام. القيود المفروضة على المساعدات وفي شهر يوليو الماضي، حظر المتمردون دخول منظمات الإغاثة الدولية.

ومنذ ذلك الحين، تم منح وكالات الأمم المتحدة إذناً بالعمل في لوغانسك التي يسيطر عليها المتمردون، مما سمح لها بتقديم العلاج للمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، على سبيل المثال.

لكن الحظر كان له أثر مدمر على جهود المساعدات، وذكر تقرير الأمم المتحدة نقص سلع معينة في دونيتسك التي يسيطر عليها المتمردون، والتي لا تزال بعيدة عن متناول معظم المساعدات الخارجية.

تقدم الحكومة الروسية بعض المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين وتحاول الجماعات الإنسانية المحلية ملء الفراغ. ميرسي كور هي منظمة إنسانية أخرى تمكنت من استئناف عملها في لوغانسك التي يسيطر عليها المتمردون، حيث يمكنها القيام بعمليات التوزيع.

وقد وفرت المساعدات الغذائية واللوازم والمياه لأكثر من نصف مليون شخص هناك، وتخطط لمساعدة 250,000 شخص إضافي حتى شهر أبريل المقبل. مع ذلك، فإنها لا تزال لا تحظى باعتراف رسمي من سلطات المتمردين، مما يبطئ قدرتها في الحصول على تصريح لدخول مدن جديدة.

ولبضعة أشهر، تلقت المنظمة أوامر بوقف معظم أعمالها. واضطر المدنيون إلى تدبير مصادر الغذاء بأنفسهم، حتى مع ارتفاع الأسعار بسبب منع الحكومة الأوكرانية لدخول البضائع التجارية إلى المناطق التي يسيطر عليها المتمردون.

وتقدم الجماعات الانفصالية ما يسمى بمعاش "التقاعد" بالروبل. ويرجع ذلك إلى سوق العملات، وخطر حدوث مزيد من الارتفاعات في معدلات التضخم، وتدهور الاقتصاد الروسي، مما يجعل الوضع المالي في مناطق المتمردين أكثر خطورة.

وفي حوار مع شبكة الأنباء الإنسانية، قال ستيوارت ويلكاتس، المدير القطري لمنظمة ميرسي كور في أوكرانيا: "لم يعد الناس يملكون الدخل الزائد عن الحاجة الذي كانوا يملكونه في الماضي، وبالتالي فإن الغالبية العظمى منه تُنفق على الطعام، والوضع لا يتحسن".

كما أن البطالة آخذة في الازدياد، وتجد نحو 69 بالمائة من الأسر في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون صعوبة في الوصول إلى أسواق المواد الغذائية بسبب ارتفاع الأسعار والفقر، وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.

والجدير بالذكر أن ما يقدر بنحو 1.6 مليون شخص قد نزحوا داخل البلاد بسبب النزاع وسعى أكثر من مليون أوكراني لطلب اللجوء أو الحماية في الخارج، وذهب غالبيتهم إلى روسيا وروسيا البيضاء.

وقالت الأمم المتحدة في تقريرها أنها لاحظت وجود اتجاه متزايد نحو العودة منذ شهر سبتمبر، لكنها أشارت إلى أن الكثيرين يعودون ليجدوا منازلهم قد تحولت إلى أنقاض أو تم الاستيلاء عليها من قبل أحد أطراف الصراع.

الوقت ليس كفيلاً بتوفير العلاج مع استعداد الصراع لدخول عامه الثالث في شهر أبريل المقبل، وبلا نهاية في الأفق، يتزايد الشعور بالانفلات الأمني واليأس في مناطق الخطوط الأمامية.

وفي المناطق التي غابت عنها الإدارة الفعالة لفترة طويلة، ظهرت ما تسمى "الهياكل الموازية" في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وهي ترقى حقاً إلى مرتبة العصابات المسلحة، في غياب سيادة القانون وانتشار انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع.

"تشعر مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بالقلق من أن الوضع يزداد سوءاً في دونيتسك، حيث واصلت الجماعات المسلحة منع وصول المساعدة الإنسانية أو الإفراط في التحكم في إمكانية الوصول إلى الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، ومنع الرصد السليم لأماكن الاحتجاز، وإعاقة إيصال المساعدة التي يمكن أن تخفف عن الناس المرض أو حتى الموت والجوع والمعاناة،" كما أفاد تقرير الأمم المتحدة.

وبالعودة مرة أخرى إلى نقطة التفتيش بالقرب من الجسر، التقت شبكة الأنباء الإنسانية برجل يُدعى ياكوف ايفانوفيتش. في هذا اليوم العاصف البارد، سوف يلتقي الرجل البالغ من العمر 64 عاماً بزوجته، التي ستأتي من كييف، عاصمة أوكرانيا. وكل ما يعرفه هو أنها ستحضر له حقيبة ملابس.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

وكالات

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022