في البداية، لا يتحدث هذا العنوان عن سلامٍ محتمل خلال أيام، لكن ما الجديد إذًا؟
الجديد هو حدوث تغير مهم في المعادلة. وليس المقصود فقط العودة إلى حالة التعادل شبه التام، التي ظهرت من خلال فشل القوات الروسية في تحقيق أي تقدم حقيقي خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لتكون هذه الفترة من الأسوأ للجيش الروسي منذ وقت طويل. وربما كان يمكن تفهم ذلك لو ارتبط بتخفيف حدة الهجوم الروسي، لكن الواقع يشير إلى أن الخسائر الروسية ما تزال في تزايد، ما يدل على عجز واضح عن اختراق الجبهة.
ويُعزى ذلك غالبًا إلى تنامي القدرات الأوكرانية في مجال الطائرات المسيّرة، من جهة، وإلى الفشل الروسي في إيجاد بديل حقيقي للاتصالات على خطوط الجبهة، بعد تقييد استخدام بعض وسائل الاتصال والإنترنت الفضائي، ما أدى إلى مشكلات لوجستية كبيرة في إدارة العمليات العسكرية. أضف إلى ذلك أن تطور القدرات الأوكرانية في مجال المسيّرات والصواريخ جعل مدنًا روسية بعيدة، مثل توبسي وغيرها، أهدافًا متكررة للهجمات التي تطال منشآت النفط والبنية التحتية، وهو ما نقل أجواء الحرب إلى الداخل الروسي وقلب معادلة الضغط التي كانت تتركز سابقًا على أوكرانيا فقط.
كل ذلك مهم جدًا، لكن التغيير الأهم على ما يبدو هو أن بوتين بدأ يدرك هذه الحقائق. فالحرب في جوهرها هي حرب بوتين؛ يشعلها متى شاء ويوقفها متى شاء، وبالتالي فإن القوة الحقيقية القادرة على إحلال السلام تبقى مرتبطة بإرادته السياسية.
خيارات روسيا
قد يبدو الكلام السابق متناقضًا؛ فهو يتحدث عن تطور ملحوظ في القدرات الأوكرانية، وفي الوقت نفسه يشير إلى أن القرار النهائي بإنهاء الحرب لا يزال بيد الرئيس الروسي. لكن الحقيقة أنه لا تناقض بين الأمرين. فمهما تنامت القوة الأوكرانية، ومهما ارتفعت خسائر الروس، تبقى روسيا دولة ضخمة من حيث المساحة والموارد البشرية، كما أنها تحظى بدعم صيني مهم، ما يمنحها القدرة نظريًا على الاستمرار في الحرب لفترة طويلة.
لكن هناك فرقًا بين استمرار العمليات العسكرية وبين فعاليتها. فالعمليات الروسية، في الظروف الحالية، لم تعد تحقق النتائج المرجوة. ولهذا يضغط كثير من مؤيدي الحرب داخل روسيا باتجاه تعبئة شاملة وتحويل الحرب إلى مواجهة كاملة تستخدم فيها روسيا كل إمكاناتها العسكرية والبشرية.
غير أن هذا الطرح يواجه مشكلة أساسية؛ فروسيا، رغم امتلاكها خزانًا بشريًا كبيرًا، ستواجه تحديات اقتصادية ولوجستية وعسكرية هائلة إذا حاولت تجهيز جيش ضخم بهذا الحجم. فالاقتصاد الروسي يتعرض بالفعل لضغوط كبيرة نتيجة العقوبات، وتمويل العمليات الحالية ليس أمرًا سهلًا، خصوصًا أن حجم الإنفاق العسكري بات يقترب من مستويات حروب كبرى.
ومن ناحية أخرى، يعاني الجيش الروسي أصلًا من نقص في المعدات والذخائر، في وقت أصبحت فيه الصناعات العسكرية عالميًا أكثر كلفة وتعقيدًا مما كانت عليه قبل عام 2022. لذلك، فإن أي تعبئة واسعة ستطرح سؤالًا أساسيًا: هل تمتلك روسيا القدرة الفعلية على تجهيز وتسليح ملايين الجنود إذا قررت توسيع الحرب إلى هذا الحد؟
خيارات أوكرانيا
على الطرف الآخر، لا يبدو الوضع الأوكراني مثاليًا أيضًا. فالحرب الروسية على أوكرانيا لا تتضمن أي سيناريو مريح لكييف، لأن ميزان السكان والموارد يميل بشكل واضح لصالح روسيا. وحتى مع ارتفاع الخسائر الروسية البشرية، فإن الخسائر الأوكرانية تبقى كبيرة جدًا قياسًا بعدد السكان.
لكن هناك نقطة مهمة: الخسائر الروسية الشهرية تبدو في تصاعد، بينما قد تتجه الخسائر الأوكرانية إلى الانخفاض تدريجيًا. ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين:
الأول أن أوكرانيا تخوض بمعظمها حربًا دفاعية، والدفاع عادة يسبب خسائر أقل مقارنة بالهجوم. وحتى الهجمات الأوكرانية المضادة تبقى محدودة ومدروسة نسبيًا.
أما العامل الثاني فهو توجه متزايد داخل الجيش الأوكراني نحو تحديث أساليب القتال، والاعتماد بصورة أكبر على المسيّرات والأنظمة الروبوتية، بهدف تقليل الاعتماد على العنصر البشري الذي يمثل نقطة الضعف الأساسية لأوكرانيا في حرب استنزاف طويلة.
وقد ساهم تغيير وزير الدفاع الأوكراني وصعود شخصيات تؤمن بتحديث الجيش في تسريع هذا التحول. ووصل الأمر إلى تنفيذ عمليات عسكرية باستخدام روبوتات ومسيّرات دون تدخل بشري مباشر، وهي حالات ما تزال محدودة، لكنها تعكس الاتجاه الذي تسعى إليه أوكرانيا في تطوير الحرب الحديثة.
وبالطبع، لا يمكن الاستغناء بالكامل عن العنصر البشري في مثل هذه الحروب، لكن تقليل الاعتماد عليه أصبح جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الأوكرانية في مواجهة حرب طويلة الأمد.
مآلات الأمور
يبدو إذًا أن ميزان الحرب عاد إلى حالة من التعادل المكلف غير الفعال؛ أي استمرار الخسائر البشرية للطرفين دون تغييرات حاسمة على الأرض.
قد يشير البعض إلى أن روسيا ما تزال تحقق تقدمًا ميدانيًا، ولو ببطء، لكن طبيعة الأرض في شرق أوكرانيا تجعل السيطرة على القرى والمناطق المفتوحة أقل صعوبة من الاحتفاظ بها على المدى الطويل. أما التحدي الحقيقي، فيبقى السيطرة على المدن الكبرى والمتوسطة، وهو المجال الذي لم تحقق فيه روسيا اختراقًا حاسمًا منذ المراحل الأولى للحرب.
فباستثناء ماريوبول، التي كانت محاصرة أصلًا في بداية الحرب، لم تتمكن روسيا من السيطرة الكاملة والمستقرة على مدينة أوكرانية متوسطة الحجم ثم الحفاظ عليها بشكل دائم. وحتى خيرسون، التي كانت من أبرز المكاسب الروسية، عادت لاحقًا إلى السيطرة الأوكرانية.
هذا يعني أن الحرب تحولت إلى حرب استنزاف حقيقية؛ تمتلك فيها روسيا التفوق العددي والاقتصادي والعسكري، بينما تراهن أوكرانيا على التفوق التقني والتطور السريع في مجالات الأتمتة والمسيّرات. ومع مرور الوقت، يبدو أن العامل التقني يمنح أوكرانيا قدرة متزايدة على تعويض جزء من الفارق التقليدي في القوة بتسارع وفعالية متزايدين.
هل بدأ بوتين يغيّر حساباته؟
تكمن إحدى المشكلات الأساسية في الحرب في احتمال وجود فجوة بين الواقع الميداني والتصورات السياسية داخل القيادة الروسية. ومع تصاعد الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي، وازدياد تأثير الحرب على الحياة اليومية في بعض المدن الروسية، قد يصبح من الصعب تجاهل كلفة الاستنزاف المستمرة.
كما أن تغير الظروف الدولية قد يؤثر على حسابات موسكو. فالتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة، وتقلب أسعار الطاقة، واستمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، كلها عوامل تضغط على روسيا بشكل مباشر أو غير مباشر.
لهذا، قد تكون موسكو أمام ثلاثة خيارات رئيسية:
وفي هذا السياق، ظهرت تسريبات من أطراف معارضة روسية تتحدث عن وجود خطط لتقديم أي اتفاق مستقبلي باعتباره “انتصارًا على الغرب الجماعي”، وهو ما قد يشير إلى وجود نقاشات فعلية داخل روسيا حول كيفية الخروج من الحرب دون الإقرار بالفشل.
الخلاصة
لا يعني كل ما سبق أن الحرب ستنتهي خلال أيام أو حتى أشهر، لكن التغير الأهم ربما يتمثل في إدراك القيادة الروسية أن استمرار الحرب بصيغتها الحالية قد تحول إلى عبء استراتيجي متزايد.
ويبقى العامل الحاسم هو شكل التسوية الممكنة، ومدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات. فروسيا تريد اتفاقًا يضمن لها مكاسب سياسية وعسكرية تضمن التفوق بانتظار الحرب القادمة فحتى لو انتهت هذه الحرب بالسلام فان الخطة الروسية هي سلام مؤقت لحين رص الصفوف والعودة لجولة ثالثة من هذه الحرب بعد 2014 و2022 بمقدرات جديدة لمحاولة تحقيق ما فشل الروس بتحقيقه في محاولتهم العسكرية الاولى والثانية بانهاء أوكرانيا كدولة.
لذلك سيركز الروس في المفاوضات على خروج الاوكران كطرف اضعف كي لا يستفيدوا من فترة السلام المؤقت ان حصل لاعادة رص الصفوف وتقوية الدولة الاوكرانية.
اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)
المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".
حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022