الثورة الأوكرانية: قصص إنسانية

نسخة للطباعة2018.02.20

غالباً ما تكون الثورات فكرية بطبيعتها، إذ كثيرا ما تحركّها الأفكار والأيديولوجيات السياسية، كما أنها تمثل قفزات وشطحات للخيال المجتمعي أو العام: أحلام ومطالب بحياة مختلفة تقوم على الاعتقاد بأنه «في أي لحظة يمكن أن يتغير كل شيء»، كما تقول «مارسي شور» في كتابها الذي نعرضه هنا وعنوانه «الليلة الأوكرانية»، والذي تروي فيه قصة الثورة الأوكرانية التي اندلعت في أوكرانيا في عام 2014 وما بعدها، للمطالبة بالديمقراطية، وقد عرفت مظاهرات واحتجاجات شملت عدة لغات وأديان وأعراق ونسخ من التاريخ ورؤى للمستقبل، وتُعد إحدى اللحظات النادرة التي يتحول فيها «السياسي» إلى «وجودي».

مارسي شور، التي تدرّس التاريخ بجامعة يل الأميركية، وقد قضت معظم حياتها حين كبرت في أوروبا الوسطى والشرقية، تصف على نحو موفق ماضي أوكرانيا الدموي والأحداث المعاصرة ذات الصلة من قبيل: فشل «الثورة البرتقالية» عام 2014، ورئاسة فيكتور يانوكوفيتش التي يشبّهها كثيرون بالمافوية، وأعمال الرعب التي أطلقها ضد المحتجين ثم فراره في نهاية المطاف إلى روسيا، وقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم ثم الحرب التي تحولت إلى حقيقة في دونباس شرق أوكرانيا. لكن الكتاب ليس كتاب تاريخ تقليدي أو روبرورتاج، ذلك أن «شور» لم تكن في «ساحة الاستقلال» وسط كييف ومركز الثورة، كما أنها لم تزر الجبهة. وبالمقابل، فإن كتابها هو عبارة عن فصول تأملية تحكي فيها تجارب وشهادات أشخاص عاشوا الثورة وتنقل مشاعر من انجذبوا إليها وأيدوها.

وفي هذا الكتاب المشحون بالعواطف، تميط شور اللثام عن الوجه الإنساني للثورة الأوكرانية، حيث تحكي قصص نشطاء وجنود وآباء وأطفال، وتمزج فيه قصصاً إنسانية مع تأملات المؤرخة وأسئلتها حول ماهية الثورة ومعانيها العميقة. وهكذا، نتعرف على شخصيات أثرت في الثورة أو تأثرت بها. ومن هؤلاء سلافا فكارتشوك، مغني فريق «أوكي إيلزي» الموسيقي الشهير في أوكرانيا، ولكن من بينهم أيضا آخرون أقل شهرة من معلمين وطلبة وموظفين من مختلف المهن والمجالات. هؤلاء، وعلى غرار الكاتبة نفسها، كثيرا ما يشيرون إلى فلاسفة وكتّاب ويستشهدون بهم، وخاصة الكتاب الروس من أمثال أخماتوفا دوستويفسكي وغوغول، الذين يمثّلون إرثا ثقافيا مشتركا للروس والأوكرانيين معاً (ويذكر هنا أن عنوان الكتاب مقتبس من قصيدة للشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي). هذه المقابلات والشهادات ترسم المراحل النفسية للثورة الأوكرانية، وتتحدث عن روح التضامن التي سادت أثناءها والتي «ذابت في بوتقتها الحدود التي توجد عادة بين الناس».

شهادات تضمنت كذلك رغبة غريبة في الموت وفي القتل، ومن ذلك إدراك أحد الشبان أن «اللحظة التي كان يريد فيها (موت أعدائه) كانت من إحدى النواحي لحظة موته هو أيضا». ذلك أنه بعد مواجهة شبه مميتة، وجد وأصدقاؤه أنفسهم في أحد المقاهي. «ولما كانوا ما يزالون على قيد الحياة»، تقول شور، «طلبوا الشاي»، وهي عبارة قد يكون مصدرها الكاتب الروسي تشيخوف، وهو من بين الأسماء الذين تستشهد بها أيضا.

شور تنقل نشوة العمل الجماعي، وتجربة العنف، سواء كضحية أو كجلاد، والطريقة التي يمكن أن يجد بها الناس العاديون أنفسهم في مآزق وأوضاع جد صعبة.

أما الشطر الثاني من الكتاب، فيتحدث عن رجال الأعمال والمؤرخين والفيزيائيين الذين توجهوا شرقا من أجل محاربة الانفصاليين المدعومين من روسيا. حرب مثلت «مسرح عبث»، كما تقول شور. وفي هذا السياق، تروي المؤلفة مشهداً غريباً بساحة لينين في دونيتسك، قام فيه رجل مسن متقاعد بتعميد شيشاني مسلم من المرتزقة «من أجل دعم معركته ضد النازيين الأوكرانيين.. الذين لم يكونوا موجودين». المعركة تدور حول الزمن بقدر ما تدور حول المكان، حيث كان المتمردون يُظهرون «خليطا من الحنين» إلى «القديسين والقياصرة والزعماء البولشيفيين». غير أن الخط الزمني لم يكن ثابتا، «حيث كانت بعض الأشياء من زمن ما قبل الحداثة تتقاطع على نحو سريالي مع أشياء من زمن ما بعد الحداثة، حيث كان زعماء الحرب، على سبيل المثال، يستخدمون تويتر».

كما تشير شور إلى السريالية التي كانت تجسّدها الحرب باعتبارها انقساما ثقافيا مستمرا. ففي الغرب، كان الناس يميلون عموما لتصديق أن «ثمة قيودا على الواقع»، في حين كان «الأوروبيون الشرقيون يدركون أن كل شيء ممكن». والخوف الذي يتحدث عنه هذا الكتاب القصير والقوي هو أن ذلك التمييز أخذ يتفكك وينهار، لكن ليس على النحو الذي كان يقصده الثوار: أي أن تصبح أوكرانيا، بدعايتها المكثفة وحياتها السياسية التي يطغى عليها موضوع الهوية، رؤية لمستقبل الغرب بدلا من العكس.

كما تلفت شور إلى أن أداء أقصى اليمين الأوكراني، الذي يُعد موضع كثير من القلق الخارجي، يُعتبر أسوأ في الانتخابات من نظيريه في فرنسا أو النمسا إذ تقول: «يبدو كما لو أن شبح فرويد يسكن أوروبا»، حيث تقوم دول أخرى بـ«النظر إلى أوكرانيا عبر عدسات الإسقاط فتنسب إلى آخرين ما لا يستطيعون قبوله في أنفسهم».

نقلا عن صحيفة الاتحاد

محمد وقيف

الكتاب: الليلة الأوكرانية.. تاريخ ثورة

المؤلفة: مارسي شور

الناشر: يل يونيفرستي برس

تاريخ النشر: 2018

العلامات:: 
التصنيفات:: 

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع أوكرانيا برس 2010 - 2018.