العراق, أوكرانيا, إيران… التاريخ يعيد نفسه

نسخة للطباعة2026.03.06
عبد الرحمن عكل

تقول المقولة الشهيرة: من لا يقرأ التاريخ يكرره, يبدو أننا اليوم أمام حالة جديدة يكرر فيها التاريخ نفسه, حاكم سلطوي لدولة عظمى يقوم بعملية عسكرية ناجحة خاطفة فيشعر بنشوة وقوة تدفعه الى الدخول بحرب طاحنة طويلة المدى!
ما يجمع كل من بوش الابن وبوتن وترامب هي محاولة كل منهم الظهور بانه القائد السلطوي المتنمر الذي يجب ان يهابه الجميع, الهوس بالهيبة وتخويف الاخرين يدفع هكذا زعماء ليقوموا بمغامرات حمقاء, لكن قد يقول قائل ان هناك كثير من الزعماء حول العالم من فئة السلطوى المتنمر, لماذا هذه الحروب الطاحنة تقتصر على امثال هؤلاء؟ والجواب هو انه لا يكفي ان تكون قائد سلطوي متنمر! يجب ان تؤمن انك على قمة العالم وانك اقوى من ان تهزم كي تدخل في هذه الحروب الطاحنة! بالتالي يجب أن تكون زعيما في دولة عظمى.
لذلك نجد أن جورج بوش الابن وبعد أن نفذ عملية عسكرية اخضع بموجبها اغلب افغانستان لنفوذه بدل من التركيز مع افغانستان او على الاقل تحجيم قوته في افغانستان والبدأ بالمفاوضات لتحصيل الفائدة القصوى من هذا الانتصار السريع لم يكتفي بدخول حرب استنزاف طويلة الامد في افغانستان بل قرر غزو العراق والبقاء فيه, نفس السيناريو بحذافيره طبقه بوتن فهو وبعد خروجه منتشي من جورجيا ومن سوريا ومن الدونباس في اوكرانيا وتحقيقه مكاسب في عمليات عسكرية خاصة قرر الدخول بحرب شاملة في أوكرانيا, حرب الهدف منها عرض عضلات "الدب الروسي" على حد تعبير اعلامه, لتتحول الحربان العراق واوكرانيا الى حروب استنزاف طويلة المدى مرهقة لكل من امريكا وروسيا, لكن وبينما يدعي ترامب انه يبذل كل جهده لايقاف الحرب في أوكرانيا نجده يستنسخ نفس التجربة الروسية! عملية عسكرية خاطفة في فنزويلا, تنجح بشكل كبير, بدل التركيز على فنزويلا يدخل في عملية اوسع بكثير في إيران مهددا ان تتحول الى حرب طويلة المدى

الغريب والمتناقض هو بوتن لطالما انتقد الحرب الأمريكية على العراق واعتبرها خطأ لكنه كان على علاقة جيدة جدا بجورج بوش الابن ومن الواضح انه كان يحترمه كشخصية, لكن الاغرب ان عندما بدأت حربه على أوكرانيا لطالما استرجع حرب العراق وقارن بين الحربين ولسان حاله يقول بأن العالم سمح لأمريكا تدمير العراق فلماذا لا يسمح لروسيا ان تفعل نفس الشيء في أوكرانيا؟
أما ترامب فلطالما انتقد حروب الشرق الأوسط وحرب العراق تحديداَ! اما حرب الروس على أوكرانيا فقد سماها بالحرب الغبية! لكن وبتكرار واضح لبوتن فأن ترامب ايضا يكن الكثير من الاحترام لبوتن ولا يخفي انه يعجب به كنموذج

اذا الصورة واضحة! قائد لدولة كبرى! يصل الى الحكم بنزعة سلطوية يريد تخويف اعدائه, يقوم بعمليات عسكرية ناجحة نسبيا لكن يدفعه الكبرياء للظن بان دخوله في حرب ضخمة هو امر سهل بسبب قوته, وبسبب غياب الدولة العميقة والمستشارين اصحاب الخبرة او استبعادهم عن عمد لان القائد لا يحب النقد يتم الدفع بالدولة للدخول في حرب هي في غنى عنها تسبب كوارث للدولة وللعالم وتتحول الى استنزاف كبير لمقدراتها, لكن قد يقول قائل ان كل الدول الكبرى تقوم بهذه الحروب والحقيقة ان هذا الامر غير دقيق! اغلب الدول الكبرى التي يحكمها انظمة حكم فعالة تتجنب مخاطر حروب بهذه الحجم وتعمد اما الى عمليات عسكرية خاطفة او الى حروب بالوكالة, اذ ان الحروب دائما لها مخاطر كبيرة على الاقتصاد يدركها المستشارين اصحاب العقل لكن ينكرها المستشارين اصحاب المصالح الخاصة المقربين من الانظمة السلطوية.

الغريب اكثر هو تشابه التصريحات لدرجة التطابق في تبرير هذه الحروب: “نحن لم نبدأ بعد" , “نحن لم نبدأ هذه الحرب لكننا سننهيها", “كان علينا ان نبدأ قبل ان يهاجمنا الطرف الأخر" في اسطوانة ممجوجة تبدو وكأن هذه الانظمة تستنسخ تجارب بعضها البعض!
لكن يبقى السؤال لماذا؟ والأجابة بكل أسف لا تحمل المسؤولية فقط للانظمة السلطوية عن حروب مدمرة ذوات اثر رهيب على العالم واقتصاده بل يتحمل مسؤوليتها ايضا الاعلام والمجتمع! اذ أن الانظمة السلطوية والحاكم السلطوي مهووس بصورته القوية واظهاره كمنتصر حتى لو تحولت الحرب الى حرب استنزاف تجلب الويلات على بلده ويحاول دائما تحسين صورته بالتركيز على خسائر الطرف الاخر الذي هو بطبيعة الاحوال الطرف الاكثر تضررا لان الحرب تدور على ارضه بينما المقارنة الصحيحة هي بين حال البلدين بدون حرب ومعها! واظهار ان القائد السلطوي هو كائن اخرق يدفع العالم للهلاك! لكن بدل عن ذلك تخرج كثير من وسائل الاعلام وكثير من الجماهير لتطبل للقائد الاخرق وتؤكد على انتصاره مما يدفعه الى الاستمرار بحروبه بل والاسوء يجعل القادة السلطويين في العالم يحلمون بنفس الانجاز ليكرروه عندما تحين لهم الفرصة!
نعم عزيزي القارئ فأن غزو أمريكا للعراق فتح الباب أمام غزو روسيا لأوكرانيا وأن غزو روسيا لأوكرانيا فتح الباب امام غزو أمريكا لأيران, وان استمرار هذه السلسلة يعني انه لا يوجد اي بلد في العالم في مأمن من طموحات زعيم سلطوي يحول البلد الى "مكسر عصا" يخوف به خصومه ويلوم الضحية كما فعل بوش وبوتن وترامب!
الجماهير الهاتفة باسم بوش هي من حرض بوتن على حربه والجماهير الهاتفة باسم بوتن هي من حرضت ترامب على حربه! اعلم عزيزي القارئ عندما ترى اعلاما او جمهورا يطبل لمجرم حرب يقوم بحرب شاملة انهم يشقون الطريق لحرب جديدة في هذا العالم وان هناك قائد سلطوي يتابع الاعلام ويراقب ويحلم بان يكون الكساندر الجديد او نابليون الجديد او يوليوس قيصر الجديد او بطرس الاكبر الجديد!
سيصر مؤيدي هذا النظام او ذلك ان حربهم أو عمليتهم العسكرية مختلفة ولها “أسبابها الموضوعية” لكنك وبالمقارنة ستندهش من حجم التطابق الرهيب بين هذه الحروب جميعا.
احلام الطغاة يدفع ثمنها الشعوب! ومن لم يقرأ التاريخ ويعلم كوارث الحروب ويفهمها بكل أسف سوف يكرره!

رابط الفيديو 
https://youtu.be/-6sPcs9Dlwg?si=5S5n3Abdh-v5X2yq

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2022