في بضع سنين.. ما الذي تغير في شبه جزيرة القرم؟

نسخة للطباعة2019.03.18

صفوان جولاق - كييف

خمس سنوات مرت على ذكرى احتلال شبه جزيرة القرم جنوب أوكرانيا، بما حملته هذه السنون من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، عانى -ويعاني- منها سكان شبه الجزيرة المناوؤون لروسيا  قبل غيرهم.

تتار القرم في فوهة المدفع كمناوئين للاحتلال الروسي، الذي يمثل مأساة جديدة يواجهونها، وتدفع بعضهم إلى هجرة ثانية -كما يقولون- بعد تهجيرهم القسري عن الإقليم في عام 1944.

حياة الشاب إلفير مثال حي على هذه المعاناة، فقد ترك القرم بحثا عن عمل في مدينة لفيف غرب أوكرانيا، ويجد صعوبة بالغة في التنقل والزيارة، خاصة وأنه يخشى المسائلة على الحدود، حول أسباب خروجه وعمله وعيشه في أوكرانيا مع جميع أفراد أسرته.

تغيير ديمغرافي

ما إلفير إلا واحد من آلاف التتار الذين غادروا أراضي القرم طوعا أو كرها بعد احتلاله، مؤكدين أن روسيا تعمل على تغيير الوضع الديمغرافي في الإقليم.

إسكندير بارييف رئيس مركز موارد تتار القرمحول هذا الموضوع تحدث إسكندير بارييف رئيس "مركز موارد تتار القرم"، فقال للجزيرة نت: "رسميا، تم تسجيل أكثر من 35 ألف نازح عن القرم في أوكرانيا، والأعداد الحقيقية تزيد هذا القرم بنحو ثلاث أضعف، لأن الكثيرين لم يسجلوا أنفسهم كنازحين، هذا بالإضافة إلى آلاف غادروا البلاد، وفي تركيا مثلا 3 آلاف".

غايانا يوكسيل مستشارة وزير الشباب والرياضة، وعضو مجلس شعب تتار القرم، قال للجزيرة نت: "إحصائياتنا تؤكد أن روسيا وطنت نحو 800 ألف روسي في القرم، وهذا يختلف عن الإحصائية الرسمية التي تتحدث عن انتقال 100 ألف روسي فقط للعيش هناك".

وتشير هنا يوكسيل إلى أن عدد سكان القرم زاد بعد احتلاله، فأصبح 2.4 مليون نسمة بعد كان يقدر بنحو مليونين، رغم تراجع معدلات الولادات أمام الوفيات.

اضطهاد المناوئين

وفي سياق متصل، يتحدث المسؤولون الأوكرانيون بزخم، وفي أي مناسبة أو لقاء على نهج خاص تستخدمه روسيا لإسكات وإبعاد معارضي سلطاتها في القرم.

غايانا يوكسيل عضو مجلس شعب تتار القرمتقول يوكسيل: "خلال 5 سنوات، قتل 17 شخصا من تتار القرم، و19 آخرين لا زالوا في عداد المفقودين، بالإضافة إلى اعتقال ومحاكمات 100 شخص، معظمهم نشطاء ورموز ثقافية، إلى جانب أسر 24 بحارا أوكرانيا بعد حادث الاعتداء على سفن أوكرانية في البحر الأسود نهاية شهر نوفمبر 2018".

ولفتت أيضا إلى أن توثيق 1000 عملية مداهمة وتفتيش استهدفت بيوتا ومساجد قرمية تترية، وما صاحبها من اتهام وشتم عنصري وتكسير، بهدف بث الذعر والخوف في النفوس، كما تقول.

عسكرة القرم

وعلى كل منبر دول، تكرر أوكرانيا التحذير من تنامي الوجود العسكري في شبه جزيرة القرم، وتحول أراضيه إلى مساحات واسعة لانتشار أعداد متزايدة من الجنود، وأحدث وأخطر الأسلحة.

حول هذا الموضوع حدثنا الخبير إسكندير بارييف رئيس "مركز موارد تتار القرم"، فقال: "نقلت روسيا 32.5 ألف جندي إلى القرم، وقامت بترميم المواقع العسكرية التي تركها الاتحاد السوفييتي، ونقلت منظومة صواريخ "إس 400" و"إسكندر"، بالإضافة إلى 88 نظام مدفعية، و372 آلية مدرعة و113 طائرة مقاتلة و62 مروحية و6 سفن و6 غواصات.

ولمح إلى أن روسيا تقوم ببناء جسور ومطارات في القرم، لا لأهداف مدنية فقط، بل عسكرية استراتيجية أيضا؛ كما لم يستبعد أن تكون روسيا قد نقلت بعض الأسلحة النووية إلى أراضي القرم".

عسكرية القرم -بحسب بارييف- لم تصل إلى ما كانت عليه زمن الاتحاد السوفيتي ، لكنها -دون شك- تشكل تهديدا كبيرا لأوكرانيا وعموما القارة الأوروبية وصولا إلى الشرق الأوسط.

أثر العقوبات

ورغم هذه التهديدات، وحقيقة أن الوجود العسكري الروسي أصبح الأكبر في أراضي شبه الجزيرة ومنطقة شمالي البحر الأسود، إلا أن العقوبات هي سلاح شبه وحيد تشرعه الأطراف المعنية في وجه موسكو.

عقوبات قد يراها الشارع الأوكراني غير كافية، ولم تأت بأي نتيجة سعيدة تعيد القرم إلى الحضن الأوكراني قريبا، لكن المسؤولين يرون فيها استنزافا بطيئا لقدرات روسيا، سيؤثر فيها، ولو بعد حين.

تقول غايانا يوكسيل مستشارة وزير الشباب والرياضة، وعضو مجلس شعب تتار القرم: "لا يمكننا تجاهل دور العقوبات، فروسيا لم تستطع أن تصنع من القرم وجها حضاريا لها، وشبه الجزيرة تحولت إلى أرض تهدد الاقتصاد الروسي بشكل كبير".

وأوضحت بالقول إن "روسيا تخصص ملياري دولار سنويا لإبقاء القرم تحت سيطرتها، والعدوان الروسي على أوكرانيا، بما في ذلك على القرم وإقليم الدونباس شرقا، فقد كلف روسيا نحو 100 مليار دولار حتى الآن، وهي تتحمل الكثير من الخسائر نتيجة العقوبات العامة والعقوبات المفروضة على بعض الشخصيات البارزة في النظام الروسي".

الأمر يحتاج وقتا بحسب يوكسيل، قد يصل إلى 25 عاما وفق خبراء أمريكيين، وتستشهد على ذلك بالعقوبات التي فرضها الغرب على الاتحاد السوفييتي بعد حرب أفغانستان، وأدت إلى انهياره، ولكن بعد 10 سنوات"، كما ترى.

حاجة إلى المزيد

ومع ذلك، يؤكد الساسة الأوكرانيون على الحاجة إلى فرض مزيد من العقوبات، وإلحاقها بإجراءات أخرى أكثر ردعا في مواجهة العدوان الروس وطموحات بوتين، كما يقولون.

الخبير إسكندير بارييف رئيس "مركز موارد تتار القرم" يقول: "لا يمكننا تجاهل أهمية العقوبات بشكل كامل، وهي خيار وحيد للدول في مواجهة العدوان الروسي، لأن أحدا لا يريد المواجهة المباشرة مع روسيا".

وأضاف: "روسيا اتخذت من الأراضي الأوكرانية في القرم والدونباس خطوة أولى لممارسة عدوانها، ونعتقد أن دولا أخرى ستأتي ضمن خطواتها التالية؛ والغرب يصعد شيئا فشيئا ضدها، فقد أغلى مؤخرا معاهدة الشراكة الاستراتيجية مع موسكو على سبيل المثال".

أما غايانا يوكسيل فتقول: "أوكرانيا ليست الدولة الوحيدة التي عانت من العدوان الروسي، فقد سبق أن مارس الاتحاد الروسي عدوانه في جورجيا وأوسيتيا الجنوبية، وإذا فكر الغرب في أمنه، فعليه أن يتخذ العديد من الإجراءات الرادعة، وما العقوبات إلى واحدة منها".

أرض أوكرانية

وعن المستقبل الذي ينشده الأوكرانيون والتتار للقرم، تقول غايانا يوكسيل: "نتطلع بتفاؤل إلى المستقبل، عندما سنعود جميعنا إلى شبه الجزيرة المحررة من من الاحتلال الروسي، التابعة لأوكرانيا.

"القرم أرض أوكرانية، كانت ويجب أن تبقى كذلك، تعيش فيها أجيال وأطياف المجتمع الأوكراني بانسجام وتعايش"، على حد قولها.

الجزيرة

العلامات:: 

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع أوكرانيا برس 2010 - 2019.