لمن يهمه الأمر... أوكرانيا وسراب "الجنسية والزواج والهجرة واللجوء"

نسخة للطباعة2019.02.26

صفوان جولاق - رئيس التحرير

تكاد لا تخلو أي مدينة أوكرانية من ضحايا عمليات نصب واحتيال، قصص بعضهم مأساوية للغاية، وقصص آخرين ساذجة لدرجة يصعب تصديقها.

عمليات نصب واحتيال تتاجر بإمكانية الحصول السهل والسريع والرخيص على الجنسية الأوكرانية، أو الزواج السعيد من من حسناوات مسلمات وغير مسلمات.

كما تروج لفرص الهجرة إلى الدول الأوروبية عبر أوكرانيا، أو اللجوء فيها، إضافة إلى عمليات نصب واحتيال أخرى، مجالاتها الدراسة والتجارة والسياحة التقليدية والعلاجية والجنسية وغيرها.

واللافت أن كثيرا من ضحايا هذه العمليات عرب، وحجمها تضاعف خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد موجة الثورات التي شهدها العالم العربي، والاضطرابات التي شهدتها أوكرانيا، وحتى بعد الانفتاح الذي وصلت إليه البلاد مع الاتحاد الأوروبي ودول عربية.

سراب الهجرة واللجوء

أكثر القصص المأساوية مرتبطة بمصير أفراد وأسر فقدت أو باعت كل ما تملك لتصل إلى بر أمان، وانتهى بها الأمر في دوامة سراب حقيقي.

(م) معيل أسرة من خمسة أفراد، باع "ما فوقه وتحته" كما يقول للجزيرة نت، ودفع مبالغ طائلة لشركة سياحية في دمشق حتى يسافر مع أسرته بكرامة إلى روسيا ثم إلى بولندا؛ وهناك استلم منه مندوب الشركة كل ما بقي معه من مال (30 ألف دولار كما يقول) بحجة أن هذا يضمن عدم مصادرة المبلغ.

بعد ساعات من عبور الحدود بالحافلة في منتصف عام 2013، نزل مع أسرته في غابة قيل له إنها في الشرق البولندي، لكنها كانت غابة في مدينة خاركيف بأقصى الشرق الأوكراني، وفيها بقي مع أسرته يعيش على المساعدات حتى يومنا هذا.

والشاب (و) درس في أوكرانيا، واضطر للبقاء فيها بعد اشتعال الحرب في سوريا، لكن جميع جهوده للحصول على اللجوء أو ما يسمح له بالبقاء وحرية الحركة باءت بالفشل منذ 8 سنوات، ومثله الكثير من الطلاب الذين انقطعت بهم السبل.

أوكرانيا كانت قد تعهدت بالحد من موجات الهجرة عبر أراضيها إلى دول الاتحاد الأوروبي، وبات الكثير من نزلاء مراكز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين فيها من العرب، بحسب جمعيات خيرية ونشاط حقوقيين.

"شراء الجنسية"

وتنتشر في أوكرانيا تجارة "الحصول على الجنسية"، بل إن إعلاناتها علنية ومنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تروج لطرق تدعي أنها "قانونية".

(ح) رجل أعمال مصري دفع 20 ألف دولار حتى الآن للحصول على الجنسية خلال عام فقط، لكني يتردد على أوكرانيا للعام الثالث على التوالي دون نتيجة، فالشخص الذي يسيّر معاملته يماطل، كما يقول.

يقول للجزيرة نت إنه تقدم بطلب الحصول على الجنسية بعد أن "تزوج على الورق"، ثم حصل سريعا على الإقامة الدائمة، لكن "الأسعار ارتفعت فجأة"، وباتت الأمور صعبة بحاجة إلى مزيد من المال والوقت، كما يدعي الوسيط.

موضوع "شراء الجنسية" يحدث فعلا، ويكلل أحيانا بالنجاح، لكن كشفه في غاية السهول عند أول سؤال لحامل الجواز الأوكراني في المطار مثلا، كما تقول للجزيرة نت أولغا كليرتي الموظفة في دائرة الهجرة.

وأوضحت: "من حق الجهات المعنية الاستفسار عن إتقان حامل الجواز للغة، والفترة والأساس القانوني الذي حصل بموجبه على الجنسية، وهذا كفيل بكشف الحقيقة عند أي شك،  ثم الاحتجاز".

الزواج والدعارة

وخلال السنوات القليلة الماضية، تضاعف إقبال العرب على موضوع الزواج من أوكرانيا، خاصة بعد إلغاء نظام التأشيرة بين أوكرانيا وبعض دول الخليج، وكثرة أعداد القادمين بحجة السياحة وبهدف الزواج.

وهنا يتضاعف نشاط شبكات النصب والاحتيال والدعارة، التي تروج لسهولة الزواج من حسناوات يفضلن الزواج من الأجانب، وهكذا تنتهي أحلام المقبلين بالصدمة، أو بقضاء ليال معدودة غالبا، بعد دفع مبالغ كبيرة، سواء بشكل مسبق قبل الوصول، أو بعده.

(ع) جاء من دولة خليجية ووقع في شباك أحد المحتالين، قال للجزيرة نت: "تعرفت على (أ)، وهو مقرب من عدة سفارات كما علمت؛ عرفني على فتاة جميلة، اختفت فجأة، بعد أم قدمت لها الذهب والمال كمهر، ثم اكتشفت أنها كانت تعمل معه، وأنه ناشط في مجال الدعارة بين العرب.

احتكار الدراسة

ويصل جشع المال إلى مجال الدراسة في أوكرانيا، وخاصة في مدنها الكبيرة المشهورة بكثرة جامعاتها وأعداد الطلاب الأجانب.

بعض الجامعات تتفق مع أشخاص وشركات معينة دون غيرها لتسجيل الطلاب وحل جميع مشاكلهم المتعلقة بالإقامة وتقديم الامتحانات، والوسيلة هي دفع مبالغ طائلة كرشاوى، أما النتيجة فتنعكس قصصا مأساوية على الطلاب.

بل وتنشط بعض السفارات هنا، فتزكي أشخاصا وشركات معينة دون غيرها لضبط العملية وتقاسم الأرباح، وبهذا ترفع عمليا الحماية عن الطلاب الذين قدموا للدراسة بشكل مباشر أو عن طريق آخرين.

آخر هذه القصص -على سبيل المثال- تعلقت بقرار فصل 850 طالبا من جامعة "دونيتسك" قبل أسابيع، معظمهم طلاب عرب، دفعوا تكاليف الدراسة للوسطاء الذين فروا بها، قبل أن يتدخل جهاز الأمن، ويَصدر قرار بإعفاء عميد الجامعة من منصبه.

عرب وعرب

واللافت هنا أن هذه القضايا لا تطرح إلا نادرا في أروقة أقسام الشرطة ووسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية، لأنها تتم غالبا بين عرب (إذا كان الزبائن والضحايا عرب)، ومن وراء حجاب، إن صح التعبير.

سألنا ماكسيم بوتكيفيتش عن هذا الأمر، وهو ناشط في مؤسسة "بلا حدود" الحقوقية، فقال: "هذه المشاكل غير موجودة في أوكرانيا رسميا، مع أنها منتشرة، والسبب أنها تتم في الخفاء، ودون وجود أي ما يثبتها".

وأضاف: "القانون لا يحمي المغفلين، ونحن نتواصل مع المؤسسات المعنية للتحذير من خطر هذا النشاط، الذي يستغل حاجات ورغبات الناس ومواضع الفساد، بصور مشبوهة غير قانونية، وغالبا دون أي نتائج إيجابية".

الجزيرة

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع أوكرانيا برس 2010 - 2019.