"منصة القرم" في أوكرانيا.. هل تغير واقعا فرضته روسيا؟

نسخة للطباعة2021.08.23
صفوان جولاق - كييف

على أعتاب "أعظم حدث سياسي في تاريخها" تقف أوكرانيا، بحسب تصريحات عدد من مسؤوليها، وهو حدث يتمثل بعقد مؤتمر "منصة القرم" الدولي اليوم 23 أغسطس، بمبادرة أطلقها الرئيس فولوديمير زيلينسكي في سبتمبر من العام الماضي.

هذا المؤتمر، أو "القمة" في بعض التصريحات، يتزامن مع الذكرى الـ30 لاستقلال أوكرانيا في 24 أغسطس أيضا، ويهدف، على المدى القريب، بحسب وزارة الخارجية، إلى ما يلي:

  1. تفعيل قضية "احتلال" روسيا لشبه جزيرة القرم، لتكون دائما على الأجندة الدولية.
  2. الاستجابة للتحديات الأمنية المرتبطة بهذا الاحتلال، وزيادة الضغط الدولي على روسيا.
  3. حث الدول على عدم الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا.
  4. منع المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان في القرم.
  5. تعويض تتار القرم جراء ما لحق بهم من أضرار، بسبب مواقفهم الرافضة للاحتلال.
  6. مناقشة "عسكرة القرم" ومنطقتي بحر آزوف والبحر الأسود من قبل روسيا.

أما على المدى البعيد، فيسعى إلى هدفه الرئيس، المتمثل بإنهاء احتلال شبه الجزيرة، وإعادتها إلى أوكرانيا.

تصحيح خطأ

وترى أوكرانيا أن المنصة ستصحح خطأ استمر 7 سنين، بغياب أي آلية حول قضية القرم، التي ضمتها روسيا إلى أراضيها في 2014، عقب استفتاء شعبي مثير للجدل، لم تعترف به معظم دول العالم.

ويعتبر وزير الخارجية، دميترو كوليبا، أنه "مع المنصة، سيُصحح هذا الخطأ"، وأن "دائرة الدول المشاركة في المنصة ستتسع في المستقبل".

تراجع المواقف

لكن كثيرين يرون أن من أهم الأسباب التي تدفع أوكرانيا نحو تنظيم مثل هذا الحدث حقيقة أن مواقف كثير من الدول تراجعت إزاء قضية القرم، بعد أن كانت أساس عقوبات سياسية واقتصادية واسعة فرضت على روسيا.

أكبر مثال على هذا التراجع يشير إلى كل من ألمانيا وفرنسا، اللتين تعتبران دولتين رئيسيتين في الاتحاد الأوروبي، وفيما يعرف بـ"رباعية نورماندي" للتسوية في شرق أوكرانيا.

في تصريح لافت قبل أسابيع، قال أوليكسي أريستوفيتش، المستشار في مكتب الرئاسة الأوكرانية، إن "ألمانيا تخلت عن أوكرانيا لصالح روسيا، بعد أن صمدت في وجهها 7 سنين.

وأوضح: "الدول الغربية عموما قلقة من تنامي نفوذ الصين، ولذلك باتت مستعدة للتفاوض مع روسيا".

وبحسب محللين كثر، ثمة عوامل عدة لهذا التراجع في المواقف، نجملها بما يلي:

  • الرغبة بتحسين العلاقات مع روسيا عموما، ورفع العقوبات، التي لم تثن موسكو عن سياساتها تجاه أوكرانيا، وأضرت باقتصادات دول أوروبية كثيرة، على رأسها ألمانيا وفرنسا.
  • سعي معسكر الغرب نحو منع أي تحالف عسكري محتمل للصين مع روسيا.
  • إصرار ألمانيا على إطلاق مشروع "السيل الشمالي 2" للغاز مع روسيا (Nord stream 2)، وتراجع الموقف الأمريكي عن التشدد إزاء المشروع.

مستوى المشاركة

هذه العوامل، وغيرها، قد تفسر جدلا حول حجم ومستوى المشاركة في "منصة القرم"، التي حددتها الخارجية الأوكرانية -حتى الآن- بنحو 44 جهة، من بينها رؤساء 9 دول، هي: لاتفيا وليتوانيا وإستونيا وبولندا وسلوفاكيا والمجر ومولدوفا وسلوفينيا وفنلندا.

وبحسب الوزارة أيضا، من بين المشاركين رئيس المجلس الأوروبي، ورؤساء وزراء رومانيا وجورجيا وكرواتيا والسويد، ووزراء خارجية تركيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والنمسا وهولندا ولوكسمبورغ وأيرلندا والدنمارك وبلغاريا والجبل الأسود والنرويج ومقدونيا الشمالية، ووزراء دفاع المملكة المتحدة والبرتغال، وكذلك مبعوث شخصي للرئيس الأمريكي.

الكاتب والمحلل السياسي، دميترو فورونكوف، رأى، في حديث مع الجزيرة نت، أن "المؤشر الكمي مشجع، لكن الأهم من ذلك بكثير ليس قائمة البلدان، ولكن المستوى الذي سيتم تمثيلها فيه".

وأوضح: "حتى الأمس القريب، لم تحدد دول رئيسية مستوى ممثليها، كتركيا وألمانيا وفرنسا وأمريكا، وهذا يدل على أن للقضية حسابات دقيقة، ويفسر إحجام كثير من دول العالم عن المشاركة، لتقتصر في النهاية على جهات داعمة أصلا، معظمها في إطار تكتل الاتحاد الأوروبي، ولا جديد فيها"، على حد رأيه.

وقال: "الدول التي سارعت إلى تلبية نداء أوكرانيا هي تلك التي تشعر بخطر روسيا عليها، وباحتمال تكرار سيناريو الأزمة الأوكرانية على أراضيها، كدول البلطيق وبولندا وجورجيا ومولدوفا".

ابتزاز روسي

وعلى مدار الأسابيع الماضية، كرر المسؤولون الأوكرانيون التأكيد على أن "روسيا تبتز وتهدد الدول، لثنيها عن المشاركة في "منصة القرم".

وقال المتحدث باسم الرئاسة الأوكرانية، سيرهي نيكفوروف، إن "أي بلد يؤكد مشاركته بنسبة 100% يتعرض فورا لضغوط. لذلك، يحافظ البعض على سرية المشاركة، ويعلنها البعض الآخر بجرأة".

واعتبر وزير الخارجية، دميترو كوليبا، أنه "في ظل هذه الخلفية، مشاركة الدول في "منصة القرم" هي اختبار بسيط للغاية حول من يقف مع قضية شبه جزيرة القرم المحتلة وأوكرانيا والقانون الدولي، أو مع روسيا والعدوان الروسي".

تجمع ساحرات

ورغم أن روسيا أحكمت سيطرتها على القرم، وتعتبر الحديث عنه خطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه، إلا أن المنصة تثير غضبها، على ما يبدو.

الخارجية الروسية قالت إن "روسيا تنظر إلى "استراتيجية إنهاء احتلال القرم" التي أعلنت عنها كييف كتهديد غير مقبول، ومشاركة أي دولة بفعاليات "منصة القرم" تعتبر تعديا على وحدة الأراضي الروسية".

والوزير، سيرغي لافروف، وصف المنصة مؤخرا بـ"تجمع الساحرات"، مستخدما مصطلح "شباش" الروسي الساخر، الذي يطلق على لقاءات الاحتفالات الليلية للساحرات.

واعتبر لافروف أن "موقف الغرب من القرم معيب ويثير الخجل، ويسيء للقرم، بعد أن عبر سكان شبه الجزيرة عن إرادتهم".

استراتيجية تحرير

وبين سعي أوكراني رغم الصعوبات، وغضب روسي رغم إحكام السيطرة، يُطرح سؤال حول قدرة "منصة القرم" على تغيير أمر واقع فرضته روسيا على شبه الجزيرة منذ سنوات.

يخشى كثيرون أن تكون نداءات "المنصة" وصرخاتها بلا صدى، على اعتبار أن قضية القرم أوكرانية روسية بالدرجة الأولى، ومنهم الكاتب والمحلل السياسي، دميترو فورونكوف، الذي يقول: "علينا أن نقر بأن المصالح الاقتصادية تلعب الدور الأكبر في عالمنا، وأن روسيا فرضت على أوكرانيا والغرب سياسة الأمر الواقع في القرم والبحر الأسود".

ويضيف: "احتلال القرم تهديد حقيقي لأمن أوكرانيا وأوروبا، لكن هذا التهديد يواجه بتعزيز حضور الناتو في البحر الأسود، كما نرى من خلال المناورات الكثيرة المشتركة؛ أما "تحرير القرم" فسيبقى في دائرة اهتمام أوكرانيا قبل أي جهة أخرى".

وبالمقابل، إيهور كوهوت، مدير مركز "المبادرات الديمقراطية"، يقول للجزيرة نت: "المنصة بداية استراتيجية أوكرانية وميثاق دولي لإنهاء احتلال القرم، وأنا أشبهها بسياسة الغرب التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي".

يرى كوهوت موضحا أن "نقطة ضعف روسيا في عزلها واستمرار الضغط على اقتصادها؛ وهذا يحتاج إلى جهد ونفس طويل، يجبر موسكو على التراجع، مهما طال الزمن"، على حد قوله.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

الجزيرة

العلامات: 

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2021