حرب لم تنته بعد.. حول المعارك في ناغورني كاراباخ

نسخة للطباعة2020.10.05
يوري بوتوسوف - صحفي - ورئيس تحرير موقع "تسينزور نت"

تتيح مشاهد الفيديو والملخصات الأخبارية من منطقة العمليات القتالية خلق تصور عن الوضع بناء على معلومات يمكن التحقق منها من الجانبين بموضوعية.

أهداف العملية الهجومية الأذربيجانية:

1 - تحرير "المنطقة الأمنة" التي احتلها الأرمن – وهي في الواقع أراضي أذربيجانية. تسمى رسميا "اتجاه فيزولين الجنوبي".

2. الاستيلاء على المنطقة الجبلية للوصول إلى طريق فاردينيس - ماردكيرت السريع في كاراباخ (آرتساخ) نفسها، وهو أحد الطريقين السريعين الكبيرين اللذين يربطان المنطقة بأرمينيا. 

سيسمح هذا بوضع الطريق السريع تحت السيطرة النارية وتشكيل تهديد للتقدم اللاحق وعزل كاراباخ عن أرمينيا، ويسمى عموما بـ"اتجاه كالباجار الشمالي".

3. تنفذ أذربيجان سيناريو حرب 2016 على نطاق أوسع، لكي لا يتمكن الأرمن  في هذه المرة من المناورة باحتياطياتهم وحشد القوات في مكان واحد، لذا ينفذ الهجوم على جميع الاتجاهات. يحاول الأذربيجانيون تنفيذ عمليات اختراق برية والتحصن في المواقع الجديدة في جميع القطاعات. 

بالإضافة إلى ذلك، تقوم تركيا باستعراض عسكري من أجل دحر الجيش الأرمني بقدر الإمكان نحو الحدود وتسهيل تنفيذ المهام الرئيسية.

الاستنتاجات المبنية على مشاهد الفيديو والتصريحات، المؤكدة من الجانبين:

1. بدأ الهجوم  بضربة 27 أيلول/سبتمبر، التي نفذتها  الطائرات المسيرة "بيرقدار" ضد المنظومات الصاروخية المضادة للطائرات "أوسّا" الأرمنية، التي كانت تغطي المواقع على طول خط الجبهة في كاراباخ. كان جزء من نظم "أوسّا"  في حالة تأهب  وكانت الرادارات تعمل، لكنها لم تستطع كشف الـ"بيرقدارات". وفقا للمعطيات، كان لدى الأرمن في كاراباخ في بداية الحرب 16 منظومة "أوسّا"، وقد أعلنت أذربيجان عن تدمير  15 منظومة أرمينية للدفاع الجوي. تؤكد مشاهد الفيديو تدمير 9 منظومات بالإضافة إلى عربة تحميل واحدة.

وصلت الـ"بيرقدارات" من تركيا في تموز/يوليو الماضي، ولم يكن هناك الوقت الكافي لإعداد أطقمها المحليين، لذا من الواضح أن أطقما تركية تشغل الطائرات المسيرة. من بعد ذلك، راحت الطائرات المسيرة الأذربيجانية تعمل دون عائق على خط الجبهة. يشاهد في الفيديوهات المصورة من المواقع الأرمنية كيف أن الجنود يطلقون النار على الطائرات المسيرة من البنادق الآلية بالقرب من قرية "جيراخ"، وهو ما لا يمثل تهديدا فعليا للطائرات المحلقة على ارتفاعات شاهقة. منظومة "أوسّا" هي منظومة قديمة، وموجودة أيضا في الخدمة لدى القوات المسلحة الأوكرانية.

2. تقدم الأذربيجانيون فجأة في منطقة موروفداغ وتاليش عن طريق تسلل الوحدات، التي ربما تكون من القوات الخاصة والمشاة، إلى عمق التشكيلات القتالية الأرمينية. تمثل خطوط الدفاع الأرمينية الجبلية سلسلة ضعيفة من نقاط المراقبة التي لا تستطيع توفير القوات الكافية لفرض السيطرة على المنطقة الجبلية. فاستولى الأذربيجانيون بالقرب من قرية تاليش على نقطة مراقبة أرمينية ونصبوا كمينا لسيارتين، ربما كانتا متجهتين نحو مواقعهما للمناوبة. 

اعتمادا على فيديو الأذربيجانيين، لم يلحق الجنود الأرمن الشبان الأربعة القتلى، الذين عُرضت وثائقهم في الموقع، إبراز أية مقاومة. كما وقُتل ما لا يقل عن أربعة أشخاص آخرين في السيارتين. ربما عمل الأذربيجانيون ليلا، فوفقا لعتاد الأرمن المتواضع جدا والخوذات السوفيتية القديمة من نموذج "س ش -68"، من غير المرجح أن يكون القتلى مزودون بوسائل القتال الليلي.

3. لم يعرض حتى الآن أي من الجانبين ولا سجينا واحدا. هذا يعني أنه لا توجد معارك تستخدم المناورة أو التطويق أو الهجمات المباشرة بقوات كبيرة، بل تتسم العمليات الحربية بطبيعة محورية. أكدت أرمينيا أن الأذربيجانيين تمكنوا في 27 ايلول/سبتمبر بشكل مباغت من الاستيلاء على موروفداغ  والتقدم في منطقة تاليش، حيث فرض الأذربيجانيون سيطرتهم النارية على طريق فاردينيس - مارداكيرت السريع. كما وتمكن الأذربيجانيون من تسجيل اختراقات طفيفة على عدد من محاور الجبهة.

4 – على مستوى الضربات الرئيسية، حافظت الطائرات المسيرة الأذربيجانية على سيطرتها على الأجواء، حيث عمدت إلى تدمير المعدات العسكرية وعربات الإمداد الأرمينية.

يُظهر الفيديو تدمير ما لا يقل عن 4 دبابات أرمينية من طراز "ت 72" ومدفع واحد من طراز "أكاتسيا". كما ويظهر الفيديو كيف دمرت طائرات "بيرقدار" حاملة جند مدرعة وراجمتي صواريخ غراد من طراز "ب م 21". وجهت الضربات إلى خمس دبابات، دون التأكد من مدى الأضرار الملحقة بها، على كل، ربما أن تكون قد تضررت.

وجهت الضربات أيضا إلى عربات الإمداد. تعمل وسائط الدفاع الجوي الأرمينية، لكنها غير قادرة على تغطية خط المواجهة الكبير ومواجهة الطائرات المسيرة. الأرمن أنفسهم لا يمتلكون الطائرات المسيرة، وقد أدت محاولة استخدام الطائرات الهجومية من طراز"سو 25"  بهدف دعم القوات السريع إلى وقوع خسائر، حيث أسقطت طائرة واحدة. لم يتمكن الأرمن توفير دفاع جوي موثوق لقواتهم على طول خط الجبهة وهذا عامل جديد مؤثر على العمليات العسكرية، يتيح للطائرات المسيرة التوغل لمسافات بعيدة. أسقط عدد من الطائرات المسيرة فوق عاصمة كاراباخ ستيباناكيرت. حيث يتحدث الأرمن عن اسقاط عشرات الطائرات المسيرة، لكن هذا لم يغير الوضع في الجو بعد.

5- تُلحق أرمينيا الخسائر بالعدو وتحافظ على المواقع بفضل الجودة العالية لمشاتها. يُظهر الفيديو إصابة ما لا يقل عن 5 دبابات أذربيجانية بصواريخ مضادة للدبابات  وإصابة ما لا يقل عن 3 دبابات أخرى بواسطة الألغام. كما ودمر الأرمن حاملتي جند مدرعتين وكاسحتين لإزالة السواتر و ​​استولوا على حاملتي جند مدرعتين.  

6. من الواضح أن كلا الجانبين يقللان من فعالية العدو ويبالغان في قدراتهما. يظهر الفيديو، ضعف دفاعات معظم المواقع الأرمينية الثابتة وافتقارها للتمويه، ما يتيح للطائرات المسيرة العثور بسهولة على الأهداف وضربها. على ما يبدو، لم يعثر الأرمن على مدى 30 عاما من الحرب على الوقت والمال اللازم. بدوره، خلال المعارك بالقرب من قرية "غيزاخ"، تعرض رتل من العربات المدرعة الأذربيجانية  لإطلاق النار ، الذي حاول الاختباء بين أنقاض القرية، فاستهدفته فرقتين من المشاة الأرمينيين بالصواريخ المضادة للدروع من مواقع شبه مفتوحة. هذا يدل على وجود مشاكل جدية في إدارة وتنظيم وتدريب بعض وحدات الجيش الأذربيجاني.

7. الوضع على الجبهة في الوقت الحالي مستقر. بعد إنزالات الجيش الأرمني، لم يعد لدى الأذربيجانيين أي احتمال للتقدم في اتجاه "كلبجار الشمالي". لكن بفضل تفوق الطائرات المسيرة واستعداد تركيا لتعويض الخسائر والذخيرة، سيحاول الأذربيجانيون إخراج الأرمن من "المنطقة الآمنة" في الجنوب وتوسيع تغلغلهم في كاراباخ. يحتاج الأرمن إلى دحر العدو في الجبال، وإلا فإن موقفهم في كاراباخ سيتعقد بشكل جدي.

8. للمشاة الأهمية الكبرى في الحرب المحلية رغم استخدام الطائرات المسيرة. وإذا حكمنا من خلال الفيديو، فإن الجيش الأذربيجاني يعتمد جدا على المعدات، فعندما اقتحمت ثلاث حاملات جند مدرعة  المواقع الأرمينية وجرى تدميرها  عثر على جثث ثمانية من أفراد الطاقم، الذين تحركوا دون دعم.

9. فعالية مدفعية الجانبين ليست عالية،هذا واضح من خلال العدد الكبير للأهداف المكشوفة التي ظهرت في الفيديو.

10. تدور أغلب العمليات القتالية خلال النهار، إذ أن الجانبين غير مهيئين بشكل جيد للقتال الليلي، ويمكن أن تكون هذه ميزة رئيسية في سياق المعارك المحلية العنيفة.

11. من الواضح أن خسائر الطرفين ليست بتلك الضخمة، التي أشارت إليها النشرات الإخبارية، لكن الخسائر ستصل إلى مئات القتلى والجرحى  وعشرات الآليات العسكرية. لم تشهد كاراباخ مثيلا لكثافة المعارك هذه منذ عام 1994.

12. تعبئة الموارد. من المثير للإهتمام أن كلا الجانبين تجنب التعبئة العامة للمواطنين الذكور، في حين يتوجه إلى الجبهة بعض جنود الاحتياط والمتطوعين المتخصصين. لقد مضى عصر التعبئة الجماعية، التي لا معنى لها من دون سلاح، فالحرب الحديثة هي حرب المتطوعين والمحترفين.

13. حرب المعلومات. يخصص الجانبان أهمية كبيرة  لهذا المكون، فالعمليات المعلوماتية النفسية صارت جوهر العمليات الحربية  وانعكاسا للحرب في وسائل الإعلام وتمثل الموضوع الرئيسي الذي يحظى باهتمام القيادة العسكرية السياسية في كلا البلدين. لذا، لا يجب الأخذ على محمل الجد بيانات الخسائر والانتصارات غير المؤكدة بالفيديو والصور أو غير المؤكدة من كلا الجانبين.

14. لا أظن أن تركيا تخطط لغزو أرمينيا انطلاقا من أراضيها. إذ سيتسبب ذلك بوقوع نزاع جدي مع الولايات المتحدة وحشد الدعم الدولي للأرمن. بيد أن تظاهرتها العسكرية ستستمر.

15. ماذا بعد؟ لقد تلاشى عامل المفاجأة، وستكون الأهمية الآن لمن هو أكثر استعدادا مهنيا ولمن هو مستعد للمخاطرة بنفسه. سيحدد كل شيء الاستقلالية والإرادة الطويلة الأمد  لقادة القطع والوحدات، القادرين على اتخاذ القرارات في الميدان في بيئة الظروف غير المؤكدة والصدمة ونقص الإمدادات والدعم وتقييم الوضع بكفاءة والدافع وتدريب المقاتلين. بعد ثلاثة أيام ، سيكون لإرهاق الأفراد تأثير كبير على القدرة القتالية للقوات، وقد يؤدي ذلك إلى ظهور نتائج غير متوقعة في ساحة المعركة. تميل القيادة دائما إلى التقليل من شأن التعب والصدمة وتأثير الإجهاد، غير أن هذه العوامل قادرة على إرجاع القوات إلى مستوى الفعالية القتالية التي وضعت بالفعل خلال التدريبات.

هذه حرب لم تنته بعد. مثل الحرب التي لم تنته في أوكرانيا...

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس"...

أوكرانيا برس - "كوريسبوندينت"

التصنيفات: 

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2021