المفاجأة الروسية التي لم يلحظها أحد

نسخة للطباعة2020.05.07

إيغور تشوبايس - فيلسوف وعالم اجتماع روسي معارض

من غير الممكن عدم ذكر أو تعداد النجاحات التي لا تحصى، والمحققة خلال السنوات الأخيرة.

هي ومجمل السياسة المتعلقة بكييف، تساهم أكثر من أي شيء آخر في تكامل المجتمع الأوكراني، خالقة في نفس الوقت عزلة مطلقة لروسيا، ومعززة عبء العقوبات التي لا تطاق والمفروضة عليها. 

لسبب ما، تذكرت هنا حاملتي الطائرات ميسترال التي بنتها، وبنتها طويلا فرنسا لنا، ومن ثم أخذت وأبحرت إلى دولة أخرى؛ وألفت الانتباه أيضا إلى تجميد مد خط أنابيب "السيل الشمالي 2" في اللحظات الأخيرة، الذي كلف المليارات، وفي نفس الوقت التحول السحري لأرباح الأسهم، التي كانت على وشك أن تملأ جيوب أصدقاء الرئيس (بوتين)، إلى عجز رهيب بالعملة الصعبة.

أعني طلب الحصول على الإعانات الحكومية لمجمل نظام خطوط الأنابيب، الذي يبلغ طوله عدة آلاف من الكيلومترات، الذي في ظروف انهيار أسعار النفط تحول إلى عبء ثقيل يحتاج إلى الدعم.

هكذا وبشكل مفاجئ وغير محسوس انفتحت خزنة أخرى من صندوق باندورا. من أيام المدرسة و منذ الطفولة تعلمنا نحن المراهقون ويتعلم المراهقون اليوم القاعدة نفسها. كل ما هو متعلق بالمؤسسات التي تتكون مختصرات أسمائها من ثلاثة أحرف، مثل "ف تش ك" و" ك ج ب" و"ف إس ب"، كلها "سرية للغاية"، ولا يفترض أن نطلع عليها. 

ومن أين لنا أن نطلع عليها ما دامت الرقابة تكدح من أجل التكتم عليها؟. 

في منتصف شباط/فبراير، قدم المنشق الشهير وحليف "فرسان العباءة والخنجر" سيرغي غريغوريانتس كتابه الجديد  "غلاسنوست والحرية". 

رغم وجود بعض الخلافات والتناقضات بيني وبين سرغي إيفانوفيتش نفسه، قرأت كتابه من الأول إلى الآخر باهتمام كبير. يجذب كتاب "غلاسنوست والحرية" بتعدد مناحيه، فهو يحكي عن عقود من الحركة المنشقة في بلادنا، والمؤلف هو أحد أبرز المشاركين في هذه الحركة، كما و يحتوي على عدد من البنا المفاهيمية والتفسيرات لبعض اللحظات الرئيسية في ماضينا الحديث، كما وأنه بمثابة مرجع  يحكي عن الكوادر غير المعلنين في مؤسسة الـ"ك ج ب" السوفيتية.

يذكر سيرغي إيفانوفيتش أسماء محددة، وهذا يوضح بشكل كبير أحداث تاريخنا الحديث، ويجعلها أكثر قابلية للفهم.

غير أن  كتاب "هريهوريانتس"، المفاجئ في الواقع، سرعان ما فقد هذه الجودة. ويعود السبب  إلى أن موقع الصحفي الأوكراني الشهير د. هوردون راح ينشر فصلا فصلا الكتاب الجديد  للعقيد السابق في المخابرات السوفيتية "ك ج ب" فلاديمير بوبوف، والذي يحمل إسم "مؤامرة الأوغاد". 

لن أقول إنه كتب بأسلوب مشوق، فبوبوف ليس كاتبا، ولكن أعتقد أن محتواه يفوق كثيرا كل ما كتب سابقا عن هذا الموضوع.

عند قراءة "الأوغاد" تدرك بالتمام أن جميع مجالات الحياة في بلدنا وجميع المؤسسات والمنظمات والمعاهد و الإدارات وكل شيء يقع تحت إشراف الأجهزة الخاصة وتدرك سبب أهمية الرياضة بالنسبة للبلد، فالمسابقات الدولية تجعل من السهل الوصول إلى أي مكان على هذا الكوكب. 

من الواضح أن العلاقات الدينية ليست مجرد نقاشات حول مستقبل الإيمان. وإذا كان هريهوريانتس يذكر أسماء الضباط والموظفين المستقلين بحذر وبنوع من الإشارة، فإن بوبوف يطلقها كما لو أنها رصاصات في حقل الرماية لتدوي، مستمتعا بإصابته الهدف، وساردا الكثير من التفاصيل المثيرة للاشمئزاز. 

أجل الله يحب الثالوث، و كيف لا نذكر هنا أيضا أولكسندر كورجاكوف، الذي ذكر في مقابلته مع هوردون أسماء وسرد تفاصيل متعلقة بنفس هذه المؤسسة.

قد تسألون، وما أهمية ذلك وماذا سيغير؟ هل تذكرون قصة ساليسبري وسكريبال الضابط السابق في "إف إس بي". قد يتفاجأ البعض ويقول: وما محل سكريبال هذا من الإعراب، خصوصا أنه لا يمكن أن يمتلك معلومات حديثة سرية عن الاتحاد الروسي؟. محله أن العارفين أوضحوا لسكريبال أنه استهدف لكي لا يجرؤ أحد من "السابقين" على الثرثرة. 

إن رحلت أو لم ترحل. إن تقاعدت أو لم تتقاعد. عليك أن تتصرف بالشكل اللازم، فالأصدقاء القدامى لن ينسوك أبدا.

هناك مسألة أخرى أيضا. حتى اليوم وفقط في أوج البيريسترويكا، قرأت عن ثلاثة أشخاص وافقوا على التعاون مع الأجهزة. ظلت أسماء العملاء سرية دائما، و إلا من سيتواصل معهم ومن سيلتحق بالأجهزة في حال لم تكن الأمور كذلك؟.

اتضح اليوم أن حتى هذا الجدار انهار، ولنأخذ مثالا كتاب بوبوف، الذي يذكر كل شيء.

بالمناسبة، من الجيد أن دعايتنا طلبت من أوكرانيا ألا تتحول بالكامل إلى اللغة الأوكرانية. كان هوردون مطيعا، ونشر "مؤامرة الأوغاد" بلغتنا الروسية الأم!.

أنتم لا تعتبرون هذا إخفاقا للأجهزة الخاصة، وإنما مجرد تغيير للقواعد؟! وأنا لا أظن ذلك...

أوكرانيا برس - "كوريسبوندينت"

التصنيفات:: 

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع وكالة "أوكرانيا برس" 2010 - 2020.