الأزمة السكانية "الهادئة" في أوكرانيا

نسخة للطباعة2020.03.23

الكاتب: ماكسيم إدوارد - موقع The atlantic

الترجمة إلى العربية: وكالة "أوكرانيا برس"

يتجول الرئيس الأوكراني في شوارع العاصمة المهجورة كييف، ويحتفل في محلات السوبر ماركت التي تم إخلاؤها، ويقرع أجراس دير القديس ميخائيل، على أمل بائس في الوصول إلى شخص خرج خصيصا لسماعها.

في مكان آخر، لا يزال من الممكن العثور على عدد قليل من الأرواح: مقاتل مؤيد لروسيا يسيطر على المباني الفارغة في شرق البلاد؛ وعارضة أزياء تفوز في المسابقة التي كانت المنافسة الوحيدة فيها؛ ومجموعة القلة تتجول في الأرض لتطالب بالأراضي المهجورة.

المشاهد خيالية - الأولى من حلقة 2017 من مسلسل كوميدي من بطولة الرجل الذي أصبح الآن رئيس أوكرانيا الفعلي؛ والبعض الآخر من موكب ساخر لعام 2018 - ومع ذلك يشهدون على قلق متزايد في البلاد بسبب تراجع عدد سكانها.

ينتشر هذا القلق في معظم أنحاء المنطقة المجاورة لأوكرانيا: ففي دراسة للأمم المتحدة، الدول العشرة الأولى المصنفة بحسب الانخفاض السكاني، والمتوقع أن تبقى في هذا المركز على مدى الثلاثين سنة القادمة، تقع جميعها في أوروبا الشرقية ما بعد الاشتراكية، وهي منطقة تتميز بانخفاض معدلات المواليد، وعدد قليل من المهاجرين، وأعداد كبيرة من المواطنين المغادرين.

ومع ذلك، تقف أوكرانيا منفصلة. إنها لا تزال دولة في حالة حرب، ولكن في استطلاع جرى خلال العام الماضي، اعتبر 55% من السكان أن الهجرة الجماعية أكبر تهديد لبلدهم - حيث تقدر الأمم المتحدة أن أوكرانيا قد تفقد نحو خمس سكانها بحلول سنة 2050.

وفي حين أن السياسيين في أوروبا الشرقية عادة ما يتذرعون بالانحدار الديموغرافي كمبرر للسياسات المحافظة، مثل تقييد حقوق الإجهاض وتقديم مكافآت مالية للعائلات الكبيرة، تعهد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعكس هجرة العقول من خلال تحسين اقتصاد بلاده وسيادة القانون.

في ديسمبر، أعلن عن برنامج لجذب الشباب الأوكرانيين من الخارج، فوعدهم بقروض تفضيلية لبدء أعمالهم الخاصة عند عودتهم.

مزيد من القصص

تؤكد تجربة أوكرانيا حقيقة أنه بغض النظر عن الطريقة التي تحاول بها الحكومات وقف الهجرة، إلا أنها لا تستطيع فعل الكثير، سواء من خلال برامجتحفيز ولادة الأطفال، أو من خلال "الصدقات" المالية لعودة المهاجرين.

بينما تركز العديد من الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، على الأخطار المتعلقة بالهجرة إليها، ترى دول أخرى، مثل أوكرانيا، أن التكاليف كبيرة، نتيجة تراجع عدد السكان، وغيابهم عن "المدن المهجورة تقريبا".

مدينة تشيرنيهيف تعتبر مثالا، حيث تعاني هذه المدينة ذات الطبيعة الخلابة، والأراضي الزراعية وعشرات القرى، تعاني بشدة من معضلة الهجرة.

رغم انها لا تبعد عن كييف سوى 90 ميلا فقط، وهي قريبة بما يكفي لجذب الشباب الذين يبحثون عن أجور أعلى، إلا أن كثيرا منهم يغادرون البلاد بالكامل، بعد وضع القطاع الزراعي المحلي في أيادي رجال أعمال كبار، أصبحوا يعتمدون بشكل أقل على العمل اليدوي، ويستعيضون عنه بالتطورات التكنولوجية.

هذه الحقيقة مستمرة منذ عقود، لكن عواقبها أصبحت أكثر وضوحا. وفقا لجانا ديري أستاذة الديموغرافيا في جامعة تشيرنيهيف الوطنية للتكنولوجيا، فإنه تم حذف نحو 29 قرية في منطقة تشيرنيهيف عن القوائم الإدارية للمنطقة، لأن سكانها ماتوا أو غادروا، لذلك، في الواقع، لم تعد هذه الأماكن موجودة، وأضافت: "نحن نفقد شبابنا. هذا هو الواقع هنا".

مغادرة الشباب الأوكرانيين لهذه الأماكن ليس لغزا. البلد هو ثاني أفقر بلدان أوروبا، ويتربص به الفساد وانخفاض مستويات المعيشة، على حدود الاتحاد الأوروبي. 

علاوة على ذلك، لا تزال الحرب مع الانفصاليين المدعومين من روسيا قائمة في الشرق، التي شردت نحو مليوني شخص، كثير منهم في الداخل الأوكراني.

ترتبط مشكلة التهجير السكاني في أوكرانيا أيضًا بمعدلات وفيات عالية؛ ووفقا لإيلا ليبانوفا مديرة معهد بتوخا للدراسات السكانية والاجتماعية في الأكاديمية الوطنية للعلوم، فإن 30% من الرجال الأوكرانيين الذين يبلغون من العمر 20 عاما لن يصلوا إلى عيد ميلادهم الستين، ويرجع السبب في ذلك إلى "تعاطي الكحول وحوادث الطرق".

لذا فإن قدرة أوكرانيا المحدودة على وقف الهجرة ليست قضية إرادة سياسية بالكامل. بل هي نتيجة لمكانة البلد في الاقتصاد العالمي كمستودع للعمالة المهاجرة.

في عام 2018، وهو أحدث عام تتوافر فيه البيانات، تم منح غالبية تصاريح الإقامة في الاتحاد الأوروبي (ولأول مرة) للأوكرانيين، الذين انتقلت حصة الأسد منهم إلى بولندا المجاورة، وشكلت التحويلات من الخارج أكثر من 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأوكرانيا.

إن توجه الأوكرانيين إلى بولندا وأماكن أخرى في أوروبا الوسطى يسلط الضوء أيضا على سخافة الخطاب السلبي لهذه البلدان تجاه المهاجرين المحتملين، ويقول ألكسندر كلاركسون محاضر الدراسات الأوروبية في كلية كينجز كوليدج في لندن إن هذه الدول استفادت بشكل كبير من الهجرة من الشرق.

جزء آخر من مشكلة كييف هو أن لديها إحصائيات قديمة وغير موثوقة، مما يجعل من الصعب صياغة سياسات لمعالجة التدفق الكبير للمواطنين إلى الخارج.

يبلغ عدد سكان أوكرانيا أكثر من 42 مليون نسمة بقليل، وقد أدت مجموعة من الأزمات السياسية والصراعات والقضايا الأكثر إلحاحا إلى منع الحكومات الأوكرانية المتعاقبة من إجراء إحصاء كامل لعدد السكان في البلاد.

يمكن أن يكون التعداد المعلن سياسيا بشكل كبير، والحكومات ليست حريصة دائما على التعرف على الأرقام السكانية المتغيرة، أو التوازن المتغير بين المجموعات المختلفة.

نتيجة لذلك، تعتقد ليبانوفا أن إجمالي عدد السكان يصل إلى 35 مليونا، ويقدر البنك الدولي العدد بـ44.6 مليونا، بينما تقدره المفوضية الأوروبية بـ42.2 مليونا.

الرنين السياسي لهذه الهجرة مهم، حيث يصور المراقبون الأقل تعاطفا، مثل وسائل الإعلام الموالية للكرملين، يصورون المهاجرين الأوكرانيين على أنهم يصوتون بأقدامهم، مما يلقي بحكم مدمر على مستقبل البلاد المواجه للغرب.

يواجه زيلينسكي نفسه ضغوطًا بشأن هذه القضية، وفي مقابلة صريحة في أغسطس، وصف إيهور كولومويسكي، وهو أوليغارشي أوكراني يشتبه على نطاق واسع بأنه وراء ترشيح زيلينسكي، وصف الحد من الهجرة الجماعية من أوكرانيا على أنها "مؤشر الأداء الرئيسي" للرئيس.

من المؤكد أن مجرد مغادرة الأوكرانيين جسديا للبلد لا يعني أنهم غير مهتمين بمستقبله. إلى جانب التحويلات التي يرسلونها إلى الوطن، لا يزال الشباب الأوكرانيون يشاركون في السياسة هناك، حسبما يقول فيكتور كوتيغورنكو رئيس معهد كوراس للدراسات السياسية والعرقية القومية في كييف.

يعتقد كلاركسون أيضًا أنه إذا استمرت الأوضاع الحالية على ما هي عليه، فمن المتوقع أن تعاني أوكرانيا نفس مصير بقية أوروبا الوسطى: نقص العمالة في الداخل، وعمل السكان المحليين في الخارج. وقال: "امنحها 20 سنة، وسيشكوا الأوكرانيون من العمال الأفغان المهاجرين".

في الوقت الراهن، الواقع على الأرض في أوكرانيا قاتم بما يكفي، ففي مسقط رأس زيلينسكي في كريفي ريه، تمتلئ الشوارع بإعلانات العمل في الاتحاد الأوروبي، ومعظمها في بولندا وليتوانيا ورومانيا. 

في كريفي ريه، يقول رسلان، وهو ناشط محلي: "زيلينسكي مثل الكثير من الناس الذين أعرفهم هنا. "بمجرد أن يصبحوا ناجحين، يغادرون".

قناة "أوكرانيا برس" على "تيليغرام": https://t.me/Ukr_Press

أوكرانيا برس - وكالات

العلامات:: 
التصنيفات:: 

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع وكالة "أوكرانيا برس" 2010 - 2020.