خطوة لتفعيل اتفاق “مينسك”..”روسيا ـ أوكرانيا” من النزاع إلى التوافق لعبور وشراء الغاز الروسي

نسخة للطباعة2020.01.30
د.نبيل رشوان

لم تشهد علاقات تجاريه فى مجال الطاقة بين أي دولتين فى العالم خلافات مثل تلك التى شهدتها أوكرانيا فى علاقاتها بروسيا، فى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

فى كل عام مع اقتراب شهر نوفمبرـ ديسمبر تبدأ المفاوضات الروسية الأوكرانية، ومن ثم الروسية الأوروبية لتحديد أسعار الغاز فى العام المقبل، وكميته التي ستستهلكها سواء أوكرانيا أو أُوروبا.

فى العادة كانت تحصل أوكرانيا، على مدى تاريخ ما بعد الاستقلال، على أسعار تفضيلية للغاز المصدر إليها، باعتبار أن الغاز كان يمر عبر أراضيها، وكانت تحصل على ثمن المرور، كما كان أسطول البحر الأسود الروسي متمركزاً في مدينة سيفاستوبول بشبه جزيرة القرم.

استمر هذا الوضع حتى جاءت أزمة عام 2014، وحدوث اضطرابات فى أوكرانيا أطاحت بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، الروسى الهوى، والذى رفض الانضمام للاتحاد الأوروبى على اعتبار أن مصالح أوكرانيا مع روسيا، التى تبيع الغاز لأوكرانيا بأسعار تفضيلية، كما أنها تستخدم خط أنابيب الغاز الذى يمر عبر أراض هذه الدولة السوفيتية الأهم فى الاتحاد السوفيتى السابق بعد روسيا.

المفاوضات الأوكرانية- الروسية المتعلقة بالغاز استمرت لفترة طويلة، وتعثرت كثيراً، وبسبب النزاع في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا، وجزيرة القرم، تعثرت المفاوضات أكثر فأكثر، وهو الأمر الذى أدى إلى تدخل مباشر من ألمانيا، التى تستضيف أحد مشروعات نقل الغاز الأهم حتى الآن بالنسبة لروسيا وأوروبا.

تقوم ألمانيا، التي قررت التخلى عن الطاقة النووية ومفاعلاتها فى توليد الطاقة الكهربية واللجوء إلى الغاز والطاقة الشمسية، وقطعت شوطاً طويلاً فى هذا المجال، فأنشأت روسيا لتعويضها عن إغلاق مولدات الكهرباء النووية خطوط أنابيب لنقل الغاز إلى أوروبا وهو ما عرف “بالنورد ستريم ـ 1″ و”النورد ستريم ـ 2”.

هدف روسيا من إنشاء خطوط كهذه، التي ستنقل حوالى 50 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا كل عام، هو ضمان وصول الغاز إلى مستهلكيه الأوروبيين دون أى انقطاع بسبب الخلاف الحالى مع أوكرانيا، وفى نفس الوقت الضغط سياسياً على أوكرانيا، وأنشأت روسيا خطا آخر يمر عبر تركيا عرف باسم “توركيش ستريم” ومهمته هو توصيل الغاز لأوروبا أيضاً، حيث أن ثلث استهلاك أوروبا من الغاز يأتي من روسيا.

بسبب النزاعات مع أوكرانيا قطعت روسيا إمدادات الغاز عن أوكرانيا، مما دفع هذه الأخيرة إلى شراء الغاز الروسى عبر أنابيبها الخاوية من أوروبا، وعندما شعر الأوروبيون بأن إنشاء خطوط الغاز الكثيرة هو تهديد لأوكرانيا ولدورها كدولة مؤثرة فى مجال الطاقة، ضغطت أوروبا وخاصة ألمانيا على روسيا، لمنح أوكرانيا قطعة من كعكة تصدير الغاز إلى أوروبا.

وكانت روسيا، قد ألغت عقود تصدير الغاز لأوروبا عن طريق أوكرانيا وأنابيبها، إلا أن محكمة دولية فى جنيف حكمت بتعويض أوكرانيا عن فسخ روسيا للعقد معها بمبلغ 2.9 مليار دولار، ما حدث فى الاتفاق الأخير، هو أنه بضغط من دول أوروبية وخاصة ألمانيا.

وقعت روسيا، اتفاقاً لتصدير الغاز إليها مدته 5 سنوات (كانت أوكرانيا تطالب بعشر سنوات) وهذا شىء جيد، فروسيا لا توقع اتفاقيات طويلة الأجل (حدث مع الصين فقط لمدة 30 عاماً من خلال خط أنابيب جديد “سيبيريان باور”)، ويبدو أن القيادة الروسية بدأت تقدم هذه التنازلات، ربما ليس بسبب ضغوط أوروبية أو صينية، ولكن بسبب دخول لاعبين جدد إلى سوق الغاز مثل دول شرق المتوسط (اتحاد شرق المتوسط الذي يضم مصر وإسرائيل وقبرص واليونان) والذى يطمح لإنشاء خط أنابيب يصل إلى أوروبا، إضافة إلى محاولات الولايات المتحدة واعتراضها على تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا خوفاً من اعتماد أوروبا على الغاز الروسى كلية، ومن ثم استغلال روسيا للغاز كورقة ضغط على أوربا سياسياً، بالإضافة للورقة التجارية بالطبع لصالح واشنطن التى لديها فائض من الغاز والنفط.

بالفعل وقعت الولايات المتحدة اتفاقيات مع بعض دول أوروبا لتوريد الغاز والنفط إليها على سبيل المثال بولندا وليتوانيا، ورغم ارتفاع أسعار الغاز الأمريكى بنسبة تصل إلى 30%، إلا أن هاتين الدولتين وافقتا، على اعتبار أن هذا سيُحررهما سياسياً من الاعتماد على الغاز الروسي.

أوكرانيا كما قلت من قبل حريصة على استقبال الغاز الروسي لسبب رئيسى، وهو أنه يُعطيها أهمية استراتيجية بالنسبة لأوروبا ويقوى من من فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي والناتو، كما أنها تريد استغلال خط أنابيب أنشئ منذ العهد السوفيتى ومازال يعمل، وفشل من قبل عدد من مشاريع نقل المحروقات من بحر قزوين إلى أوروبا مثل أوديسا ـ برودى، وبعد ذلك كان مشروع نابوكو وأفشلتهما روسيا، ولم تتمكن أوكرانيا من استغلال خط الأنابيب لديها.

يتميز الغاز الروسى بالنسبة للأوروبيين، بأنه لا يحتاج عمل أى بنية تحتية وسيطة، فهو من حقول الغاز الروسية إلى المنازل مباشرة، وذلك منذ أيام الاتحاد السوفيتى عبر ما يعرف “بخط الصداقة”، بينما يحتاج أى مصدر آخر للغاز وخاصة المسال الذى تريد به الولايات المتحدة منافسة الغاز الروسى بدعوى خوفها على حلفائها الأوروبيين من النفوذ السياسى الروسى.

ومع أن هذه المخاوف الأمريكية، ليس لها أى أساس من الصحة، فقد رفضت روسيا اتخاذ أى إجراء ضد الأوروبيين الذين وقفوا صفاً واحداً مع عدوان الرئيس الجورجي على مقاطعات حليفة لروسيا مثل أوسيتيا الجنوبية، التى يحمل معظم سكانها الجنسية الروسية عام 2008، وترفض روسيا حالياً فرض حظر على منتجات الطاقة لأوروبا، رغم فرض هذه الأخيرة عقوبات على روسيا، منذ بدء النزاع الروسي الأوكراني عام 2014.

ورغم الخلاف الروسى ـ التركى حول مسألة القرم، حيث لم تعترف الأخيرة حتى الآن بالقرم كجزء من روسيا، وتريد عودتها لأوكرانيا، حيث كانت تتمتع بالنفوذ الثقافى الطاغى على الأقل هناك، إلا أن روسيا فى تصورى تشعر ربما بالرضى عن الاتفاق الذى أبرمته تركيا مع ليبيا، لأنه قد يعطل إنشاء خط أنابيب من شرق المتوسط إلى أوروبا وقد يكون منافساً للغاز الروسى فى المستقبل المتوسط، كما أن إيران التى قد تتفاوض مع الولايات المتحدة وتعود إلى الساحة الدولية وترفع عنها العقوبات، وقد يسقط نظامها الحالى، يصبح الغاز الإيراني كذلك متاحا لأوروبا مثل الغاز الروسي تقريباً، ولتركيا كذلك، وهذا هو ما يشكل ضغطا على روسيا التي يعتمد اقتصادها، الريعي، بدرجة كبيرة على تصدير النفط والغاز.

ونعود للاتفاق الروسي الذي وقع يوم 20 ديسمبر، حيث كان مجرد إعلان مبادئ، تخلى بمقتضاه الجانبان عن توجيه الاتهامات لبعضهما البعض (روسيا كانت تتهم أوكرانيا بسرقة الغاز المار عبر أراضيها، وبالطبع سعر الغاز وسعر مرور الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا عبر الأراضى الأوكرانية)، وواصل الطرفان مباحثاتهما فى جنيف لإنجاز الاتفاق فى صورته النهائية، والذى وقع بالفعل فى السادس والعشرين من الشهر الجارى.

المباحثات جاءت على خلفية مباحثات “رباعية نورماندي”، التى تضم بالإضافة لروسيا وأوكرانيا كل من فرنسا وألمانيا، التى جلس والتقى فيها الرئيس الروسى بوتين لأول مرة مع نظيره الأوكراني زيلينسكي، وهى المباحثات التى أسفرت عن اتفاق يقضي بتبادل الموقوفين لدى الطرفين، على أساس الجميع مقابل الجميع قبل نهاية العام، واتفق الطرفان كذلك على فصل بين القوات، إلا أنه لأسباب فنية لم يحدث، لكن الأهم هو اللقاء الأول بين رئيسى البلدين منذ أكثر من خمس سنوات. 

هذا اللقاء بالإضافة إلى تهديد وفرض الولايات المتحدة عقوبات على خط أنابيب الغاز “نورد ستريم ـ 2” جعل مسألة افتتاح الخط تتأجل حتى نهاية 2020، بعد أن كان من المفترض أن يفتتح فى منتصف 2020.

فى كل الأحوال من الواضح أن جليد العلاقات الروسية- الأوكرانية بدأ فى الذوبان، ومن المفترض أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق فيما يتعلق بالدنباس بشرق أوكرانيا على الأقل فى المستقبل المنظور، من خلال قمة نورماندى المقبلة، وتفعيل اتفاق مينسك الذى بمنح وضع خاص للمقاطعتين المتمردتين دونيتسك ولوهانسك، لحين التوصل لاتفاق ينهي المشكلة بشكل نهائى، حيث تطالب روسيا بمنح المقاطعتين حكم ذاتي واسع، وأكرانيا تعتبر هذا خط أحمر، وهى على استعداد للاعتراف باللغة الروسية كلغة معتمدة فى هذين الإقليمين، وأن تقف قواتها على الحدود الفاصلة بينها وبين روسيا، وليس بينها وبين الإقليمين، للتأكيد على وحدة وسلامة الأراضى الأوكرانية.

 لكن لا شك أن اتفاق الغاز خطوة هامة على الطريق، وموافقة روسيا على اتفاق يمتد لخمس سنوات، هو بلا شك تنازل كبير من موسكو، لم تفعله سوى مع الصين حليفتها الاستراتيجية.

نقلا عن موقع "الأهالي"

المقال يُعبر عن رأي الكاتب ولا يُعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس"

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

أوكرانيا برس

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2021