بعيون أوكرانية: فخ عفرين لأردوغان وخذلان البيت الأبيض للأكراد

نسخة للطباعة2018.01.30

إن الحرب السورية كانت حدثا مأساويا في بداية الألفية، ليس فقط فيما يتعلق بعدد القتلى واللاجئين، والجرائم التي ارتكبت فيها، ولكن أيضا بسبب تصادم النوايا الجيوسياسية الضيقة للجهات الفاعلة الرئيسية فيها.

وفي هذه الدراما المختلطة بالنفط والمليارات والدم والسياسة، تم نسيان مصير شعب بأكمله، بل أصبح هذا الشعب رهينة لهذه الألعاب الجيوسياسية، وهو الشعب الكردي الذي لم يجد له مكانا في هذه الصحراء المقفرة ، ليس سوى لأن شخصا يريد البقاء في الكرسي وآخر يريد استرجاع امبراطورية وثالث يريد المليارات.

بهذا الوصف بدأ - بولافين أوليكساندر- السياسي والباحث التاريخي الأوكراني مقاله حول عملية "غضن الزيتون" التي تقودها القوات التركية والجيش السوري الحر ضد وحدات الشعب الكردية.

المقال الذي نُشر على موقع "كوريسبوندنت" وقامت بترجمته إلى اللغة العربية "أوكرانيا برس" أشار فيه الكاتب إلى الدور الأساسي الذي لعبه الأكراد في الحرب على تنظيم "الدولة" في سوريا والتي وجد الأكراد أنفسهم في ظلها مسلحين وعاد بهم الوضع إلى حلمهم القديم بتشكيل دولتهم، ولكنهم مرة اخرى وقعوا  في فخ الحرب التي يديرها اللاعبون الجيوسياسيون في المنطقة.

الكاتب الأوكراني اعتبر أن مشاركة الاكراد في الحرب كانت دائما بأمل عودة حلمهم بتشكيل دولة "كردستان"، وإذا كانت سوريا وروسيا برأيه تتعاونان مع الأكراد في الحرب ضد "الإرهابيين"، ولم تنكر بشكل قاطع احتمال تكوين دولتهم ، فإن الولايات المتحدة كانت تجد في الأكراد دائما ضرورة  للضغط على الدول التي يوجد  فيها عدد معتبر من الأكراد وهي  إيران وتركيا والعراق وسوريا.

ومن بين المؤامرات الكثيرة المرتبطة بتقرير المصير الكردستاني والمناورات التي قام بها الأقوياء في هذا العالم، ذكر الكاتب - الأحداث في العراق، حيث لا تزال كردستان المستقلة ذاتيا والتي أسهم جنودها في طرد قوات تنظيم "الدولة" من العراق، لكن حلمهم لم يسلم من الخيانة الداخلية وحتى من خيانة أردوغان الذي كانت بلاده تُقيم علاقات اقتصادية مع كردستان العراق، والخيانة ذاتها جاءت من واشنطن التي لم تكن مستعدة لحماية حلفاءها البشمركة من قوات الجيش العراقي، ويمكن القول بأن هذا كان اول انهزام لأمريكا في صراعها مع إيران، بينما وقفت روسيا على الحياد وحاولت الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع أربيل.

بولافين أوليكساندر أكد في مقاله  أن الوضع الذي نشأ في سوريا عشية العام الجديد 2018، والذي يتطور بنشاط في الأيام الأخيرة، لن يسمح لأهم اللاعبين الجيوسياسيين الوقوف في صمت حيال ذلك، وسيؤدي بالتأكيد إلى مواجهة خطيرة وحادة.

الولايات المتحدة  وباستخدام الطريقة الاستراتيجية المعتادة، ومن أجل شحذ الصراعات الحادة، يستغل البيت الأبيض "فقاعة" تنظيم "الدولة"  في سوريا، ومختلف الجماعات المناهضة للأسد لتشكيل تهديد جديد لدمشق، وفي الوقت نفسه، تهديد تركيا، حيث قامت بـ"تغذية" جزء من التشكيلات الكردية على حدود تركيا في عفرين وأضافت إليهم المجموعات المتفرقة من الذين قادوا المعارك ضد تنظيم "الدولة" من اجل إنشاء جيش في حدود 30 ألف مقاتل لإنشاء ما يسمى "نظام أمن الحدود".

الكاتب أشار إلى أن هناك فعلا تطور لصراع بين أنقرة وواشنطن حيث دعت تركيا إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا، وتخطط لإسقاط الطائرات الأمريكية وهزيمة حتمية للقوات الموالية لها في سوريا، وبدأت فعليا في قصف المواقع الكردية في عفرين.

واشنطن وبحسل السياسي الأوكراني تدرك تمام  بأن تركيا لن تسمح بإنشاء ممر كردي على طول حدودها مع إمكانية وجود دولة هناك (قوات الدفاع السورية + حزب العمال الكردستاني) ولذلك فهي تسعى لإثارة  نزاع مسلح  على نطاق واسع ، وهناك شك كبير في الانتهاء السريع والنهائي للعمليات العسكرية الواسعة النطاق في سوريا، الامر الذي يهدد السلامة الإقليمية في هذا البلد، وكل هذا في يد ترمب كما يقول الكاتب.
لكن هذا الامر لا يعني بتاتا انه سيكون نصرا لواشنطن وحلفائها فمن الصعب عليها تكوين جيش بطاقة 30 ألف جندي وهي لا تملك في المنطقة الثلث منه ، لذلك ستسعى لتسوية الصراع بطريقة اخرى، وهو سر الاتصال الاخير بين تيلرسون ووزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو.

ويتطرق الكاتب في مقاله إلى الدور الروسي في هذا الامر حيث وبالنسبة لموسكو فإن كل هذه "الحركات" العسكرية لا تسمح للكرملين بالتزام الصمت، فمن ناحية ، لا تنظر بارتياح لما تسميه واشنطن  نظام أمن الحدود، وبصورة عامة، وجود أي تشكيلات عسكرية معارضة في دمشق على أراضي سوريا لا يخدم موسكو،  وعملية تركيا الناجحة في منطقة عفرين  من الناحية النظرية ستخدم موسكو، التي ستعتبرها  خطوة هامة وفعالة لطرد القوات الأمريكية من سوريا .

ومن ناحية أخرى، فإن روسيا لا تريد أن تدعم علنا أي محاولات لتدمير الأكراد، على الرغم من خيانة واضحة لأهداف موسكو في سوريا من أجل الولايات المتحدة.

ويضيف الكاتب أن نجاح العملية التركية "غضن الزيتون" يعزز تأثير أنقرة في هذه المنطقة ويعطيها فرصا إضافية في المفاوضات مع الاتحاد الروسي.

يؤكد الكاتب أنه أصبح من الواضح اليوم أن موسكو قد ساندت وبشكل غبر مباشر "الشريك" التركي  عندما أصدرت وزارة الدفاع بيانا بشأن الانسحاب من مركز التوفيق بين الأطراف المتحاربة والشرطة العسكرية من منطقة عفرين. بالتأكيد هذا الموقف يتسق أيضا مع دمشق التي لن ترغب في بقاء جماعات معارضة على أراضيها، وخاصة المدعومة من قبل الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، لا يمكننا استبعاد سيناريو  الصدام بين القوات التركية والسورية ، لكن يبدوا ان روسيا عازمة على عدم التدخل في ذلك.

وعلى الرغم من  أن أردوغان "الخبير" برّر بدء العمليات البرية في مكافحة الإرهاب وحتى الرغبة في مساعدة البلاد المجاورة (سوريا)، فإنه يحث الغرب على دعم جهوده، لكن في الواقع، هذه العملية هي مصلحة داخلية بحتة في أنقرة، وعامل من الحرب الأهلية مع الأكراد. وهو يحاول  جرّ البلدان المؤثرة  في هذا الفخ ، ومن الصعب الاعتراف بأن انتصار أنقرة في هذه العملية يمكن أن يخفف من حدة الوضع في سوريا. فهو على العكس  سيهدد العلاقات بين الحلفاء الحاليين وخصومهم، أو حتى إطلاق صراع بين تركيا وسوريا، لكن المشكلة الكردية المرتبطة بهذه العملية ستصبح أكثر تعقيدا.

أوكرانيا برس

التصنيفات:: 

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع أوكرانيا برس 2010 - 2017.