كييف "مدينة الصراعات" التي تحولت إلى مركز عالمي للتكنولوجيا

نسخة للطباعة2018.09.20

منذ أربع سنوات خلت، ارتبط اسم العاصمة الأوكرانية كييف بالصراعات وإراقة الدماء بأكثر مما ارتبط بالمشروعات والشركات الناشئة. لكن كل هذا يتغير الآن، إذ ازدهر في المدينة قطاع تقنية المعلومات ويتقاضى العاملون فيه رواتب تعادل عشرة أمثال متوسط الرواتب في المدينة.

طي صفحة الحقبة السوفيتية:

يمر نهر الدنيبر عبر أوكرانيا، مقسما البلاد التي يبلغ تعداد سكانها 45 مليون نسمة إلى نصفين، إذ يجري جنوبا خلال العاصمة الأوكرانية كييف ويصب في البحر الأسود. وأفضل طريقة لتأمل روعة المدينة وقت طلوع الشمس هي عبور جسر باركوفي للمشاه الذي يطل على المدينة بأكملها.

وحين أشارت عقارب الساعة إلى السادسة صباحا، رأيت مجموعات متفرقة من المراهقين والشباب في منتصف العشرينيات يعبرون الجسر بتمهل عائدين إلى منازلهم بعد سهرة مع الأصدقاء. فهذه المدينة لا تنعم بالهدوء إلا في هذه الساعة، بعدها يعيد إليها الزحام والصخب والوتيرة المتسارعة حيويتها المعهودة.

لكن في عام 2014، انطلقت من كييف شرارة الثورة الثانية في تاريخ البلاد، بعد مرور ألف عام على الثورة الأولى. وتدفق الأوكرانيون على المدينة للمشاركة في مظاهرات حاشدة انتهت بخلع الرئيس الأوكراني.

ولم يتسبب الصراع في إراقة الدماء فحسب، بل كان له أيضا انعكاسات بعيدة المدى وغير متوقعة. ففي عام 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ردا على الإطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا- رغم أن شبه جزيرة القرم لا تزال تابعة رسميا لأوكرانيا.

واشتعل الصراع في شرقي أوكرانيا عندما سيطر محتجون موالون لروسيا على مساحات شاسعة من أراضي القرم في خضم احتجاجات أبريل/ نيسان 2014.

وبخلاف المئات الذين لا يزالون يتوافدون على المدينة ترحما على الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات، فإن أكثر الأوكرانيين يشعرون أن ثورة ميدان الاستقلال باتت جزءا من الماضي.

إذ تعكس آثار الأحداث الأخيرة التي شهدتها كييف ومبانيها ذات الطرز المعمارية للحقبة السوفيتية وحقبة ما قبل الحرب العالمية تاريخا يبدو بعيدا كل البعد عن الواقع الذي يعايشه الشباب اليوم.

فقد عزم الكثير من الشباب الأوكراني على طي صفحة الماضي والمضي في إقامة دولة حديثة ومتطورة تصطبغ بطابع غربي. وتشهد هذه المدينة قفزات هائلة ومتلاحقة نحو التطور والازدهار.

هل يمكن بناء أوكرانيا على غرار الدول الأوروبية؟:

تحاول كييف الآن أن تنفض غبار موجة الاضطرابات التي شهدتها في عام 2014 وأدت إلى زعزعة استقرارها، لتستعيد مكانتها السابقة.

تقول أليكساندرا أزارخينا، إحدى مؤسسي شركة "فيكسر آجنسي" للاستشارات في مجال الاتصالات بكييف: "بينما قد يتحمس جيل أجدادي لفكرة إقامة نظام شيوعي، فإن جيلي يريد بناء أوكرانيا على غرار الدول الأوروبية. نحن نريد نفس جودة الهواء ونفس الحقوق ونفس الطرق ونفس الخدمات الاجتماعية كما في الدول الأوروبية. فهذه الأشياء البسيطة التي ينظر إليها الغربيون على أنها أمور معتادة، نحتاجها نحن بشدة لبناء مدينتنا".

وأينما توجهت في كييف، ستلاحظ أعمال البناء تجري على قدم وساق، وهذا التطور المتسارع يزيد من فرص البلاد لتنظيم الأحداث والفعاليات الكبرى. ففي العامين الماضيين استقبلت المدينة زوارا من مختلف أنحاء أوروبا لحضور مسابقة الغناء "يوروفيجن"، ونهائي دوري أبطال أوروبا.

لكنك ما أن تطأ قدمك مطار بوريسبيل بكييف- ولا سيما إن كان هذا الجزء من العالم غير مألوف لك- حتى يعتريك القلق. فبالرغم من أن جميع العالمين بالمطار يتحدثون الأن اللغة الإنجليزية، إلا أن الزائر عندما يرى سائقي التاكسي وهم يتدافعون على أبواب المطار لاصطياد الزبائن، قد يشعر بالخوف والرهبة. وربما يكون من الأفضل استخدام تطبيقات حجز سيارات الأجرة.

نشاط شبابي:

في أعقاب الثورة، عانت أوكرانيا من أزمة اقتصادية خانقة وارتفعت على إثرها معدلات البطالة. وفي عام 2017، وصلت نسبة البطالة إلى 9.5 في المئة، مع العلم أن هذه المعدلات لم تأخذ في الحسبان حجم العمالة غير المسجلة والبطالة المقنعة.

ورغم ذلك، استطاع العديد من رواد الأعمال الشباب في أوكرانيا تدشين مشروعات ناجحة.

تقول ياريما دوخ، رئيسة قسم الاتصالات بأكاديمية الريادة بأوكرانيا: "لم يعد غريبا في أوكرانيا أن ترى صاحب مشروع ناجح تحت سن 35 عاما. فقد أصبح الشباب الأوكراني أكثر انفتاحا على العالم الخارجي. وهناك الكثير من المراهقين الآن في كييف يتحدثون ثلاث لغات بطلاقة".

كان الطريق ممهدا لهؤلاء الشباب عبر الإنترنت. وقد اختار أكثرهم تعلم اللغة الإنجليزية لأنها لا تزال اللغة الأولى في قطاع الأعمال في أوروبا. وذكر موقع "دي أو يو" للمعلومات ذات الصلة بقطاع تقنية المعلومات، أن 80 في المئة من التقنيين في أوكرانيا يجيدون الإنجليزية أو يتقنونها اتقانا تاما.

ويقول دميترو بيلاش، أحد مطوري برنامج "كابتن غروث"، وهو برنامج للتسويق في كييف يعتمد على الذكاء الاصطناعي: "أدرك الشباب الأوكراني أنهم لن يتمكنوا من التنافس بقوة في سوق العمل العالمي والحصول على رواتب تعادل الرواتب الأوروبية إلا إذا تكيفوا مع الأوضاع العالمية وتعلموا اللغة الإنجليزية".

واتجه رواد أعمال من الشباب مثل دميترو إلى تدشين مشروعات في مجالات متنوعة خارج السوق الأوكرانية وحققوا أرباحا تضاهي أرباح نظرائهم في العواصم الأوروبية الأخرى، أو تفوقها.

ولمع نجم بعض رواد الأعمال في كييف، الذين جمعوا الملايين من شركاتهم ذات الشهرة العالمية، مثل أليكس شيفشينكو وماكس ليتفين مؤسسا شركة "غرامرلي" لبرامج وتطبيقات للمساعدة في الكتابة باللغة الإنجليزية، وياروسلاف أزنيوك أحد مؤسسي شركة "بيتكيوب" لتطوير أجهزة وبرامج للحيوانات الأليفة.

ولا تقتصر المواهب الأوكرانية على المجال التقني فحسب، إذ نالت أعمال مصممي الأزياء كسينيا شنايدر وروسلان باغينسكي شهرة عالمية وحصدا الكثير من الجوائز والألقاب العالمية.

وبخلاف هذه الأسماء اللامعة، جمع الكثير من الأوكرانيين ثروات لم يتخيل أجدادهم الذين نشأوا في ظل النظام الشيوعي السوفييتي، أن يجمعوا نصفها.

جيش جديد من المواهب التقنية:

تنامى قطاع التعاقد الخارجي في أوكرانيا بعد بداية متعثرة، إذ أصبحت أوكرانيا وجهة مفضلة لشركات التقنية العالمية لإقامة فروع لها أو تنفيذ مشروعاتها فيها.

وعلى مدار العقد الماضي، أصبحت صادرات قطاع التقنية تمثل ثالث أكبر صادرات أوكرانيا.

ارتفعت على إثر ذلك رواتب العاملين في أوكرانيا وغدت أقرب إلى رواتب نظرائهم في البلدان الغربية من أي وقت مضى، إذ يتراوح الدخل الشهري لمهندسي البرمجيات ما بين 2000 و3000 دولار، ويختصم منه ضرائب بنسبة 5 في المئة فقط.

في حين يقدر متوسط الرواتب في أوكرانيا بنحو 250 إلى 300 دولار شهريا، ويحصل سكان كييف على أعلى رواتب على مستوى البلاد.

وبحسب هيئة الإحصاءات بأوكرانيا، وُظف أكثر من 274 ألف أوكراني في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات العام الماضي، ويستقبل سوق العمل في أوكرانيا نحو 36 ألف خريج من كليات تقنية المعلومات سنويا.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود نحو 13.409 شركة اتصالات وتقنية معلومات مسجلة في أوكرانيا في عام 2017 وأكثر من 100 مركز للأبحاث والتطوير تابع لشركات متعددة الجنسيات مثل "إريكسون" و"سيمنز" و"أوراكل" و"ماغينتو".

إذ أضحت أوكرانيا أكبر سوق للتعاقد الخارجي في أوروبا الشرقية، بحسب دورية "أوتسورسينغ"، وتحتل المرتبة الأولى بين دول شرق ووسط أوروبا من حيث حجم الأعمال التي نفذت لصالح شركات كبرى في الخارج، كما تعد خامس أكبر مصدر لخدمات تقنية المعلومات في العالم، بحسب شركة "برايس ووتر هاوس كوبرز" للاستشارات.

يقول أندرو سوروهان، المدير بشركة "يو فينتشرز" لرأس المال المخاطر في كييف: "توسع قطاع التعاقد الخارجي بنحو ثلاثة أضعاف على مدار السنوات الأخيرة. إذ لدينا في أوكرانيا شباب مهرة وعلى مستوى عال من الكفاءة يعملون في مشروعات في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة"، لصالح شركات عالمية كبرى.

ويضيف سوروهان أن بعض الشركات الأوكرانية أيضا رسخت أقدامها في السوق العالمية وأصبحت من كبريات الشركات في مجالها مثل "غرامرلي" و"بيتكيوب" و"بريبلي".

الفنانون المبدعون:

تستقطب كييف أيضا جيلا جديدا من الفنانين. وخضعت مبان عديدة قديمة ومتهالكة في المدينة تعود للحقبة السوفيتية، لعمليات تطوير وتجديد، منها على سبيل المثال "المركز الثقافي والإبداعي" بمجمع "أرت زافود بلاتفورما" ومحطة القطار التي طورت وأصبحت مركزا للإبداعات والمبادرات الفنية.

لكن كلما زادت مشقة البحث عن مطعم أو مقهى في كييف، زادت سعادتك بالعثور عليه. إذ تغيرت معالم المدينة بسبب التطورات الحديثة، وتغيرت أيضا بعض أسماء شوارعها. وقلما تجد مبنى يحمل لافتة بعنوان الشارع، ولكن كل هذا سيجعل عملية البحث عن المطعم أكثر تشويقا.

وظهرت مطاعم عالمية جديدة لتناسب ذائقة الشباب العاملين، وتكلفة الطعام فيها معقولة مقارنة بالبلدان الأوروبية الأخرى. وعلى الجانب الآخر، ظهرت أيضا مطاعم وحانات باهظة تجاري ذائقة الشباب الأثرياء بكييف، وهناك أيضا المطاعم الأوكرانية التقليدية على بعد خطوات من ميدان الاستقلال.

هل أصبحت كييف برلين أوروبا الشرقية؟:

لا تزال المدينة تزخر ببقايا مظاهر البذخ من العهد السوفيتي (وهو أمر معتاد في البلدان التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي)، رغم أنها طغت عليها مؤخرا الابتكارات والإبداعات الفنية للشباب من الطبقة الوسطى.

إذ زاد عدد شباب الهيبسر- وهم هواة الفنون غير التقليدية والموسيقى الصاخبة والتقليعات الجديدة وكل ما هو خارج عن المألوف- بشكل ملحوظ في كييف وساهموا في تحويل المدينة إلى برلين أوروبا الشرقية.

ولا يزال الأمن يمثل هاجسا للكثير من زائري المدينة، مع أن الصراع الذي دار في أوكرانيا كان في الجزء الشرقي منها، على بعد 700 كيلو متر من كييف، أي ضعف المسافة تقريبا التي تفصل بين باريس ولندن، ولهذا فإن كييف لا تقل أمانا عن سائر العواصم الأوروبية.

صحيح أن هناك بعض النُصُب التذكارية المهمة في مختلف ساحات المدينة التي تعيد إلى الذاكرة أحداث العنف التي شهدتها البلاد، لكن في الحقيقة، بمجرد أن تتجول في شوارعها لن تتذكر منها شيئا. ولذا، يجدر بك أن تهدأ وتستمتع بوقتك، فإذا كنت قادم للمدينة في مهمة عمل، لا شيء قد يعكر صفو رحلتك سوى الازدحام المروري.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital

بي بي سي

التصنيفات:: 

جميع حقوق النشر محفوظة لموقع أوكرانيا برس 2010 - 2018.