هل شتاء الطاقة قادم إلى أوروبا؟

نسخة للطباعة2021.10.19
خافير فيفز - خبير في منظمة "بروجيكت سنديكيت"

الصفقة الأوروبية الخضراء تهدف للوصول إلى تحول لقطاع الطاقة إلى خال من التلوثات، لكن بينما تريد أوروبا أن تتبوأ دورا قياديا عالميا في هذا الجانب، يبقى السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحقيق هدفها وبأي ثمن، فالمهمة كبيرة جدا والعقبات شاقة.

لقد أظهرت أزمة كوفيد - 19، حجم التغييرات اللازمة لاستخدام الطاقة المتجددة بشكل كبير، فالمستهلكون والسياسيون يريدون تجنب مثل تلك الصدمة من خلال التدرج في تأمين إمدادات مستقرة من الطاقة الرخيصة. 

السياسة الجيدة والتقدم التكنولوجي سيجعل هذا الهدف في متناول اليد، لكن حاليا هناك مقايضات.

في ظل هذا الوضع، يتوقع أن ترتفع أسعار الكهرباء وتصبح الأغلى. 

هذا الأمر، إضافة إلى الزيادة في أسعار الغاز الطبيعي، جعل الأوروبيين يشهدون زيادة في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بأسعار الكهرباء بالجملة. 

تم التنبؤ بالعواقب السياسية لهذا التطور في ثورة السترات الصفراء في فرنسا 2018 - 2019 التي كانت ردا على زيادة محدودة فقط في ضرائب الوقود.

يجب على أوروبا استيراد معظم الغاز الطبيعي الذي تحتاج إليه، لكن من أجل ضمان إمدادات مستقرة، فإنها تضع نفسها تحت رحمة دول، مثل: روسيا والجزائر، التي عادة ما تستخدم مواردها من الغاز لأغراض جيوسياسية - ضد أوكرانيا، والمغرب على التوالي. 

تزود روسيا ثلث احتياجات أوروبا من الغاز كما تقوم بالضغط من أجل تفعيل “نورد ستريم 2” وهو خط أنابيب لنقل الإمدادات بشكل مباشر إلى ألمانيا متجاوزا أوكرانيا، الذي يزيد الأمر سوءا أن دولا مثل ألمانيا أو إسبانيا وليس الاتحاد الأوروبي هي التي تتفاوض مع الموردين. 

روسيا، التي تستغل هذه الديناميكية قد أظهرت أخيرا أن بإمكانها التأثير في سعر الغاز من خلال حجب الإمدادات.

الصراع بين الأولويات الطبيعية والطاقة الرخيصة الآمنة في ازدياد، فالدولة التي توجد لديها احتياطيات من الفحم تستطيع دائما أن تستفيد من تلك الموارد لتأمين إمداداتها من الطاقة، ومن الأمثلة على ذلك ألمانيا، حيث يمثل توليد الكهرباء عن طريق الفحم نحو 30 في المائة من إمدادات الطاقة وهذا يعود لقرار الحكومة بالتخلص التدريجي من الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011.

الارتفاع في أسعار الغاز والكهرباء هذا العام يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن تحول الطاقة لن يكون عملية سلسة، فالتحديات ضخمة ومن أهمها التغلب على مشكلة المراحل المتقطعة وللتخفيف من تقلب الأسعار، تتطلب مصادر الطاقة المتجددة تقنية احتياطية للعمل كبديل عندما تكون شدة الرياح أو الشمس منخفضة، وعادة ما يقوم الغاز الطبيعي بهذه المهمة، ما يفسر ارتفاع أسعار الكهرباء، وسيظل هذا هو الحال على الأقل حتى يتم إنشاء مرافق تخزين كهرباء أكثر كفاءة.

يتم تحديد السعر في سوق الكهرباء بالجملة في الاتحاد الأوروبي من خلال التكنولوجيا الأخيرة المتمثلة في ترتيب الجدارة للإمدادات، أي: تسلسل محطات الطاقة المفضلة. 

عادة ما يكون هذا التدبير الاحتياطي عبارة عن محطة توربينات ذات دورة مركبة (غاز) أو منشأة كهرومائية.

سوق الغاز عبارة عن تجمع يتم فيه تجميع جداول عرض المولدات ومواءمتها مع الطلب للحصول على السعر الذي يتم دفع أجر جميع الموردين بموجبه، إن الوضع المثالي هو أن الإشارة المتعلقة بالسعر من سوق تنافسية ستعطي الدلالة الصحيحة للاستثمار من المنتجين والاستهلاك من المستخدمين، لكن في واقع الأمر لا يوجد دخول مجاني لبعض التقنيات (مثل الطاقة النووية والطاقة المائية)، ولا يستجيب المستخدمون بالضرورة للأسعار، كما أن هيكل العرض ليس تنافسيا لكنه يعكس احتكار القلة.

لكن هذه العوامل وحدها لا تعطينا سببا للتخلص من التجمع، وعليه، فإن السؤال هو، كيف نوفر الحوافز المناسبة للاستثمار وخاصة في الطاقة المتجددة؟ هنا فإن العقود طويلة المدى لتوفير الكهرباء ومزادات الشراء قد تلعب دورا حاسما في تحسين كيفية عمل التجمع والتخفيف من قوة السوق، ونظرا للتخفيضات الكبيرة في التكلفة خلال العقد الماضي تعد الطاقة المتجددة تنافسية حاليا وستزدهر.

الاستثمار يعتمد على الاستقرار التنظيمي علما أن ردة الفعل المتسرعة على الارتفاعات الحالية للأسعار قد تعيق ذلك. وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك أفكارا تستحق النظر فيها، فقد اقترحت التشيك واليونان وفرنسا وإسبانيا ورومانيا أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتنسيق مشتريات الغاز وإنشاء احتياطي استراتيجي، وهذه فكرة ممتازة وذلك لأنها ستزيد من قدرة الاتحاد الأوروبي على المساومة وتحسن من أمن الإمدادات.

يجب تقييم المقترحات التي تم طرحها أخيرا بعناية لتجنب التدخل بتشكيل السعر وبدلا من محاولة وضع سقف لأسعار الكهرباء، فإن من الأفضل تقديم الدعم للمستهلكين الأكثر ضعفا بشكل مباشر. 

يجب أن تستمر سوق الجملة في توفير دلالة تتعلق بالسعر للمنتجين والمستهلكين وعلى عواتق المضاربين، ففي الغالب أن هذه الزيادة تعكس توقع السوق لأسعار أعلى تتعلق بثاني أكسيد الكربون، وهو عنصر ضروري من أجل تحول الطاقة.

لو أرادت أوروبا تحرير المعركة ضد التغير المناخي من التعقيدات السياسية لأمن الطاقة، سيتعين عليها أولا تحقيق مزيج طاقة متوازن في سوق متكاملة، وهذا يعني أنها لا يمكن أن تتجاهل المساهمة المحتملة للتقنية النووية، كما أشارت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.

إضافة إلى ذلك، من الضروري وجود سياسة طاقة أوروبية موحدة لشراء وتخزين الغاز، كما من الضروري كذلك وجود استثمارات لتطوير تقنيات جديدة، مثل التقاط الكربون والهيدروجين الأخضر، لكن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يكون ساذجا، فالتغير المناخي مشكلة عالمية. 

للاتحاد الأوروبي سمعة، وهي أنه يتصرف فقط عندما يصبح على شفا كارثة، وقد نكون وصلنا إلى واحدة من تلك اللحظات، فالشتاء قادم.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".

الاقتصادية

العلامات: 
التصنيفات: 

حقوق النشر محفوظة لوكالة "أوكرانيا برس" 2010-2021