هذه المادة منشورة في موقع "أوكرانيا برس" (http://ukrpress.net)

الصفحة الرئيسية > من يقتل هؤلاء؟ عندما تصبح البروباغاندا طريقًا إلى الجبهة ثم إلى الموت

من يقتل هؤلاء؟ عندما تصبح البروباغاندا طريقًا إلى الجبهة ثم إلى الموت

في مقابلة مع أسير يمني لدى القوات الأوكرانية، روى الرجل قصة تختصر جانبًا من المأساة التي خلفتها الحرب الروسية على أوكرانيا. قال إنه كان ضمن مجموعة يمنية تضم ثلاثين مقاتلًا توجهوا للقتال إلى جانب القوات الروسية، ولم يبقَ منهم على قيد الحياة سوى هو وحده. وخلال المقابلة ذكر أسماء رفاقه الذين قُتلوا، وأكد أنه يندم على مشاركته في الحرب، مضيفًا أنه لم يكن يتوقع أن يكون وضع القوات الروسية على الجبهة بهذا السوء.

لا تمثل هذه الشهادة مجرد قصة شخصية، بل تطرح سؤالًا أكبر: كيف يصل مقاتل من بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن أوكرانيا إلى ساحة حرب لا تربطه بها أي علاقة مباشرة؟

ما الأسباب؟

يمكن تفسير ذلك بعاملين رئيسيين.

العامل الأول هو الخطاب الإعلامي الذي تبنته شريحة واسعة من وسائل الإعلام في عدد من الدول العربية، وكذلك في دول آسيوية وإفريقية، حيث يجري تقديم الغزو الروسي لأوكرانيا بوصفه "حربًا ضد الناتو"، بينما يغيب عن هذا الخطاب أن العمليات العسكرية تجري على الأراضي الأوكرانية، وأن المدن الأوكرانية هي التي تتعرض للقصف، وأن المدنيين الأوكرانيين هم من يدفعون الثمن الأكبر.

هذا الأسلوب في تقديم الحرب ينقلها من كونها حربًا تدور داخل دولة ذات سيادة إلى صراع جيوسياسي مجرد، ويمنحها لدى بعض المتابعين طابعًا أيديولوجيًا أو حتى رومانسيًا، فيختفي من المشهد أن هناك شعبًا يتعرض لغزو عسكري، وأن كل من يشارك في القتال يشارك عمليًا في حرب تدور على أرض ذلك الشعب.

أما العامل الثاني، فهو الصورة التي تُرسم عن الواقع العسكري نفسه. فحين تُصوَّر الحرب على أنها سلسلة من الانتصارات السهلة، وأن القوات الروسية تحقق تقدمًا مستمرًا، قد يعتقد بعض الباحثين عن المال أن المشاركة فيها تمثل فرصة لتحقيق مكاسب مالية مقابل مخاطر محدودة.

غير أن شهادة الأسير اليمني تقدم صورة مختلفة تمامًا. فهو يقول إنه لم يكن يعلم حجم الخسائر التي تتعرض لها الوحدات الروسية، ولم يتوقع أن تنتهي مجموعته بالكامل تقريبًا خلال فترة قصيرة من القتال.

ومنذ اندلاع الحرب، تحدثت تقارير عسكرية واستخباراتية عديدة عن ارتفاع حجم الخسائر الروسية، حيث يقدر عدد القتلى الروس بحسب التقديرات الى رقم يتجاوز النصف مليون ولذلك اعتماد موسكو بصورة متزايدة على متطوعين ومقاتلين أجانب وقوات حليفة لتعويض النقص في الأفراد. كما أعلنت الاستخبارات الأوكرانية في أكثر من مناسبة أن روسيا وسعت اعتمادها على قوات من كوريا االشمالية، وأنها تسعى إلى زيادة هذا الوجود مع استمرار الحرب الى 30 ألف جندي.

مسؤولية الأعلام

وفي ظل هذا الواقع، تكتسب المعلومات التي تصل إلى الجمهور أهمية استثنائية. فالشخص الذي يتخذ قرار السفر إلى الجبهة لا يعتمد على ما يراه بنفسه، بل على الصورة التي ترسمها له وسائل الإعلام والمراسلون والمنصات التي يتابعها يوميًا.

ولهذا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن أطلق الرصاصة الأخيرة، بل بمن ساهم في دفع هؤلاء إلى ساحة المعركة منذ البداية.

عندما تُخفى الخسائر، أو تُهمَّش تكلفة الحرب البشرية، أو تُقدَّم الرواية الرسمية لطرف واحد باعتبارها الحقيقة الكاملة، فإن المتلقي يتخذ قراراته على أساس صورة غير مكتملة. وقد تكون النتيجة أن يجد نفسه في حرب تختلف جذريًا عن تلك التي شاهدها على شاشة التلفاز أو قرأ عنها في التقارير الإخبارية.

وبهذا المعنى، فإن دور وسائل الإعلام لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يمتد إلى تشكيل تصورات الناس عن الحرب نفسها. وكلما ابتعدت التغطية عن عرض الوقائع الميدانية كما هي، وازدادت اقترابًا من إعادة إنتاج الخطاب الدعائي، زادت احتمالية أن تتحول تلك التغطية إلى عامل من العوامل التي تشجع آخرين على الانضمام إلى القتال.

وتعيد قصة الأسير اليمني طرح هذه القضية بوضوح. فهو لم يتحدث فقط عن مقتل رفاقه، بل عن الفجوة الكبيرة بين الصورة التي كوّنها قبل وصوله إلى الجبهة، والواقع الذي واجهه بعد دخوله الحرب.

وفي نهاية المطاف، لا يسقط ضحايا هذه الحرب على خطوط القتال فقط، بل قد يسقطون أيضًا نتيجة معلومات مضللة أو ناقصة دفعتهم إلى اتخاذ قرار المشاركة. ولذلك، فإن أي تغطية إعلامية تتجاهل الكلفة الحقيقية للحرب، أو تكرر الروايات الدعائية دون تدقيق أو مساءلة، تصبح جزءًا من البيئة التي تسمح باستمرار تدفق المقاتلين إلى الجبهة، حيث يدفعون حياتهم ثمنًا لصورة لم تعكس الواقع الذي كانوا مقبلين عليه.

ولهذا، فإن قضية الأسير اليمني لا تقتصر على مأساة فرد نجا من بين ثلاثين مقاتلًا، بل تثير تساؤلًا أوسع حول مسؤولية الخطاب الإعلامي في زمن الحروب، وحول الدور الذي قد تلعبه الدعاية السياسية في دفع مزيد من الأشخاص إلى ساحات قتال لم يكونوا ليتجهوا إليها لو وصلت إليهم الصورة كاملة كما هي.

اشترك في قناتنا على "تيليجرام" ليصلك كل جديد... (https://t.me/Ukr_Press)

المادة أعلاه تعبر عن رأي المصدر، أو الكاتبـ/ـة، أو الكتّاب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "أوكرانيا برس".


Source URL: http://ukrpress.net/node/18093?qt-comments_popular=0